Lebanon News I ليبانون تابلويد : أخبار الساعة من لبنان والعالم!


جان م. صدقة في النهار:"عاميّة 1902" لأنطوان سلامه: التاريخ لا يرحم

كتب الزميل جان م. صدقة مقالة نقدية عن الكتاب الجديد لرئيس تحرير ليبانون تابلويد أنطوان سلامه "عاميّة ١٩٠٢".

الجمعة ٠٥ أغسطس ٢٠٢٢

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة
اضغط هنا

جاء في مقالة صدقة التي نشرتها جريدة النهار في ٣-٨-٢٠٢٢ الآتي:

لا يبدو أنّ #أنطوان سلامه، الكاتب والصحافيّ، اكتفى بما كتبه في 1997 عن بلدته في كتاب ضخم من جزءين: "زوق مكايل أزمنة الحضور في تاريخ لبنان"، فها هو ينشر قصّة جديدة "عاميّة 1902" في 72 صفحة من القطع الوسط، في "منشورات دار سكريبت"، والغلاف من تصميم دنيز خليفه سلامه.

هي واقعة شكّلت انتفاضة شعبيّة رفضت عادة دفن المشايخ في حرم كنيسة مار ضومط التي بناها موسى طربيه الخازن في 1728 في زوق مكايل، وتولّى دير سيّدة البشارة في البلدة إدارتها.

الكنيسة تحفة من أهمّ كنائس لبنان والشرق جمالًا وأناقة وحجرًا مصقولًا وعقدًا حجريًّا يرتفع في معجزة عمرانيّة بطول 26 مترا، وعرض 12 مترا، وعلوّ 12 مترا، وقد اتّخذها الرحّالة الفرنسيّ ف. بارت نموذجًا لكنائس لبنان.

إستند المشايخ إلى رسالة وجّهها البطريرك يوسف إسطفان (1729-1793) إلى أولاد أبو نوفل وأولاد أبو ناصيف يعترف لهم فيها بحقوقهم في الكنيسة، فقرّروا دفن موتاهم في حرمها، حيث يُحفر تاريخ ميلاد الشيخ ووفاته على بلاطة تُثبت على الحائط فوق المذابح الجانبيّة ومحيطها، فباتت الكنيسة الجميلة، رغم قبّتها وصليبها وجرسها، أشبه بمدفن كبير للشيوخ والشيخات، ما صعّد التوتّر بين الأهالي أدّت تراكماته إلى رفضهم دفن الشيخة عبدة الأحد ابنة الشيخ حنّا نوفل في حرم الكنيسة. لقد حان وقت تحرير الكنيسة من عادة دفن الموتى وإعادتها إلى الأهالي وقفيّة مستقلّة (ص 24).

كبرت القصّة كثيرًا، فقبع الأهالي الحجريّات التأريخيّة داخل الكنيسة ورموها في مخبأ سريّ، وعندما تدخّلت بكركي لصالح المشايخ، أنزل الأهالي الصليب والجرس عن القبّة، فتصلّب الإكليروس وطلب تدخّل الجيش التركيّ الذي نفّذ رغبة البطريرك والمشايخ، ما حوّل البلدة إلى برميل بارود من الغضب، خصوصًا إثر الاستفزازات الخطيرة التي أطلقها المطران يوسف شبل الخازن (1856–1933)، الوليّ على أوقاف العائلة.

لم تنته القصّة التي حصلت فعلًا في 1902 بالصلح بين البطريرك والأهالي، فتشير وثيقة بطريركيّة إلى رسالة وجّهها الأهالي إلى البطريرك أنطون عريضة (1932-1955) في 19 آذار 1932 يعترضون فيها على قرار الحرم الذي أنزله المطران يوحنّا الحاج (1927-1955) في حقّهم إثر اتّهامهم بنزع الحجريّات التأريخيّة في 1902 عن حائط كنيسة مار ضومط.

الكتاب جاء في شكل قصّة قصيرة برع سلامه في نسجها بين الواقع والمتخيّل، بين ما حدث فعلًا وما ابتدعه في سرده بأسلوب يشبه طريقة كتابه الأخير "قوّاص البطريرك"، 2018.

يخلق سلامه شخصيّات حيّة ومفترضة، وينسج قصّته حولها، في أسلوب جذّاب، فينقلنا إلى المرحلة التاريخيّة التي حصلت فيها العاميّة ودور كلّ شخصيّة فيها فتتكامل وتكتمل. يمتلك سلامه صنعة أسلوبيّة سهلة سلسة وبناء لغويًّا متينًا، بعيدًا عن الأنماط الأسلوبيّة المتشابكة، ما يمنح قصّته التميّز والتفرّد بفعل البناء الذي بلوره عبر مزجه بين أساليب الشخصيّات المتعدّدة، ما يتيح فهم طريقة استخدام التقنيّات التعبيريّة الجميلة التي تتيحها الكتابة القصصيّة المحترفة، حتّى ولو في مساحة نصيّة غير واسعة.

القصّة تتمحور إذًا حول انتفاضة زوق مكايل، فيذكر سلامه في الختام أنّ أهالي بلدته انتفضوا على المشايخ، مرّة في ثورة الفلّاحين، ومرّة في عاميّة الكنيسة. وفي الحالتين تمرّدوا وغلبوا (ص 41). لذلك لا يجوز أن نقرأ في القصّة حكاية تنكأ الجراح من جديد، بل بالحريّ من الأفضل أن نقتبسها في المرحلة الحاليّة التي يمرّ بها لبنان. هي دعوة للتضامن في وجه المنظومة القذرة التي تحكمنا.

في تلك العاميّة، انتفض أهالي الزوق بقلب واحد، بشكل جماعيّ، من دون أحزاب تافهة ولا قيادة موحّدة متسلبطة، ولا سفارات داعمة، في وجه السلطة الروحيّة (بطريركًا ومطارنة وكهنة) وفي وجه السلطة السياسيّة المتمثّلة بالمشايخ. فلماذا لا نكلّف أهالي زوق مكايل قيادة الحراك الشعبيّ الحاليّ في دولة لبنان الكبير في مطلع الذكرى الثالثة لتفجير بيروت ومرفئها؟! لعلّها دعوة قد تعيد شعار "ابتسم أنت في الزوق" إلى شفاه اللبنانيّين جميعًا.

وضع أنطوان سلامه جميع اللبنانيّين أمام أمثولة حيّة شجاعة من التاريخ الحديث. والتاريخ لا يرحم. فمتى نتّعظ؟!


أحدث مقاطع الفيديو
مشاهدة :11236 الأربعاء ١٠ / يناير / ٢٠٢٢
مشاهدة :8308 الأربعاء ١٠ / يونيو / ٢٠٢٢
مشاهدة :8178 الأربعاء ١٠ / يناير / ٢٠٢٢
معرض الصور