تنطلق الوساطات الأميركية والعربية لتطويق الحرب الاسرائيلية على لبنان.
الإثنين ٢١ أكتوبر ٢٠٢٤
المحرر السياسي- سيلعب الرئيس نبيه بري دور "المقرّر الرسمي الأول" في لبنان مع بدء تدفق الوسطاء الدوليين الى بيروت من الموفد الأميركي أموس هوكستين الى الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيظ امتدادا الى مؤتمر باريس الذي دعا اليه الرئيس ايمانويل ماكرون. تدل هذه الحركة الى انطلاق الوساطات من دون معرفة آفاقها وقدراتها على الحسم طالما أنّ التأثير الفعلي في إتمام أيّ صفقة يتخطى بيروت الى تل أبيب وطهران. من الواضح أنّ إسرائيل تندفع في قواها التدميرية على كامل الساحة اللبنانية وكأنهّا تتحرّك في خطة جاهزة مسبقاً لهذه اللحظة التي اقتنصتها من فتح حزب الله جبهة الجنوب. تأخذ جولة هوكستين أهميّة في أنّه الوسيط الوحيد حتى الآن بين بيروت وتل أبيب، عملياً بين حزب الله والجانب الإسرائيلي. تأخذ زيارة أبو الغيظ أهميتها بأنّها الحركة العربية الأولى، شرعيا، لمسؤول عربيّ يهتم بلبنان الذي "نجح" في السنوات الماضية في إهمال علاقاته العربية بفعل عداء حزب الله لدول خليجية وسيطرته على وزارة الخارجية اللبنانية بما يخدم أهدافه . تعني الحركة الديبلوماسية، في بداياتها، أنّ الحرب الإسرائيلية على لبنان دخلت مرحلة جديدة على مستويين: عسكريّ، بمواصلة الجيش الإسرائيلي تدمير البنى التحتية لحزب الله واغتيال قياداته وتهجير أهله في البيئة الحاضنة والمعارضة في آن واحد. سياسيا، يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته التدميرية من دون صدور أي اعتراض عربي وغربي لما يفعله في الأهداف المتداخلة عسكريا ومدنيا بشكل انخفضت الخسائر البشرية في لبنان نسبة الى غزة. ترددت معلومات أنّ الجانب الإسرائيلي التزم حتى الساعة بجزء من السقف التي حدده الأميركيون وهو ترك منافذ التنفس حيّة في لبنان بتحييد المطار والمرفأ وشرايين التواصل البرية باستثناء ما يخدم خطته في محاصرة الحزب في المنافذ البرية مع سوريا. ميدانيا، يمتلك حزب الله ورقة أساسيّة تتمثّل بإعاقة المهمات الإسرائيلية في برّ الشريط الحدودي كما امتلكت حماس ورقة المحتجزين الاسرائيليين . يمتلك الحزب أيضا الضغط باستمراره في قصف الجليل الأعلى وتلويحه بأنّه لم يستخدم سلاحه النوعيّ. هذا الرهان مكلفٌ لجهة التدمير الإسرائيلي المعتمد في القرى الحدودية ، لكنّ الحزب يتخطاه. يبقى عامل الوقت ومَن يخدم. أثبتت الوقائع في غزة أنّ إسرائيل استغلّت الوقت في التصفيات والتدمير والوصول الى معبر فيلادلفيا، تخطّط لإنشاء منطقة أمنية عازلة تحمي، برأيها، غلاف غزة. في الجنوب، تتواصل المواجهات البرية ويتضح من مسارها أنّ الجيش الإسرائيلي حذر في عملياته البرية ولكنّه مستعد لدفع الثمن البشري في صفوفه، استغل حزب الله الوقت لتفخيخ المعابر وإعادة تنظيم صفوفه. في الحالتين ، لا يوحي الجيش الإسرائيلي بالتراجع عن تنفيذ خططه العسكرية، ويصرّ حزب الله على المواجهة، يصلح هذا الأمر في المدى المتوسط بعدما فقد حزب الله بشكل نسبيّ دعماً أساسيّا كان مؤمناً له في حرب تموز بانفتاح مداه الحيويّ في اتجاه سوريا وهذا ما فقده في هذه الحرب. كما أنّ الجيش الاسرائيلي خطط لعملياته العسكرية انطلاقا من إخفاقاته في حرب تموز. وهناك عاملٌ مهم وهو أنّ نتنياهو يتتصرّف بغطاء داخليّ في حين أنّ حزب الله فقد الكثير من مظلته المحلية بفعل اندفاعه وحيدا في اتخاذ قرار الحرب. تغطي حرب نتنياهو دول عدة بينما لا ينسج حزب الله شبكة أمانه الا بالخيوط الإيرانية.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.