بعد حماس وحزب الله: هل سقطت نظرية المقاومة المسلحة
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
أنطوان سلامه- ليست ذكرى 8 تشرين الأول مناسبة لاستعادة يوم إضافي من أيام الحرب فحسب. فقد تحوّل ذلك التاريخ، مع مرور السنوات، إلى محطة تستدعي مراجعة أوسع لمسار الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وللمنهجيات التي اعتمدتها أطرافه منذ قيام إسرائيل. فالمسألة لم تعد فقط ماذا جرى في 7 تشرين الأول، أو لماذا قرر حزب الله في اليوم التالي فتح جبهة الجنوب تحت عنوان إسناد غزة، بل ماذا كشفت النتائج اللاحقة عن طبيعة الصراع نفسه، وعن حدود الأدوات التي استخدمت في مواجهته.
منذ 1948، تغيّرت الأنظمة العربية والجيوش والأحزاب والأيديولوجيات، ثم انتقلت المواجهة تدريجياً من الدول إلى التنظيمات المسلحة.
في 1948، دخلت الجيوش العربية الحرب في ظل أنظمة ملكية في مصر والعراق والأردن، إلى جانب سوريا ولبنان. وكانت النتيجة النكبة.
ثم جاءت مرحلة الأنظمة العسكرية والقومية. رفع جمال عبد الناصر والبعثيون وغيرهم شعار التحرير والوحدة العربية، وأصبحت مواجهة إسرائيل جزءاً من شرعية هذه الأنظمة. لكن حرب 1967 انتهت بنكسة كبرى.
جاءت حرب 1973 لتؤكد أن الجيوش العربية تستطيع المبادرة والمفاجأة وتحقيق إنجازات عسكرية مهمة. لكن الحرب لم تنتهِ بتحرير الأراضي المحتلة، بل انتقلت مصر بعدها إلى مسار تفاوضي انتهى باتفاق السلام مع إسرائيل، فيما بقيت الجبهة السورية بلا تسوية شاملة. وهكذا لم تستطع الحرب النظامية العربية، رغم اختلاف نتائجها بين 1948 و1967 و1973، أن تحقق الهدف النهائي الذي رفعه خطاب التحرير.
ومع تراجع نموذج الدولة العربية القومية، برز نموذج آخر، المقاومة المسلحة ذات المرجعية الأيديولوجية. انتقلت القضية الفلسطينية تدريجياً من الجيوش العربية إلى المنظمات الفلسطينية، ثم برز الإسلام السياسي المسلح بشقيه السني والشيعي، وصولاً إلى حماس وحزب الله، وإلى شبكة إقليمية أوسع قادتها إيران تحت عنوان "محور المقاومة".
وهنا جاءت 7 تشرين الأول 2023، ثم 8 تشرين الأول.
كان هجوم "طوفان الأقصى" أكثر العمليات العسكرية الفلسطينية تأثيراً في تاريخ الصراع الحديث من حيث المفاجأة وحجم الاختراق والصدمة التي أحدثها في إسرائيل. لكنه فتح في الوقت نفسه حرباً هائلة على غزة، وأنتج كارثة أقوى من النكبة.
وفي لبنان، قرر حزب الله في 8 تشرين الأول فتح جبهة الجنوب لإسناد غزة. ومنذ ذلك اليوم دخل لبنان حرباً لم يكن قرارها نتاج استراتيجية وطنية شاملة، بل قراراً اتخذته قوة سياسية وعسكرية خارج إطار الدولة، فوقعت المأساة الهائلة.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي في ذكرى 8 تشرين الأول: هل المطلوب حرب أخرى بالمنهج نفسه، أم مقاربة أخرى للصراع؟
ومن هنا تبرز مسألة الدولة.
لقد أثبتت التجربة اللبنانية خصوصاً أن تحويل بلد بأكمله إلى جبهة إسناد لقضية خارج حدوده، من دون قرار وطني جامع، يحمل كلفة أكبر من قدرة المجتمع على تحملها.
وهذا ينطبق أيضاً على القضية الفلسطينية. فبعد كل ما جرى، لا يستطيع أحد أن يكتفي بالسؤال، هل تستطيع حماس القتال؟ السؤال الأهم هو، هل تستطيع القوة الفلسطينية أن تتحول إلى مشروع سياسي ينتج دولة فلسطينية؟
وهنا لا بد أيضاً من مراجعة الدور الإيراني.
لقد نجحت إيران خلال عقود في بناء شبكة نفوذ إقليمية واسعة، مستخدمة التنظيمات المسلحة كأدوات متقدمة في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. لكن حرب غزة والحرب التي تلتها في لبنان أظهرتا حدود هذا النموذج.
لذلك قد يكون أحد أهم دروس 8 تشرين الأول هو أن القضية الفلسطينية لا ينبغي أن تبقى رهينة أي محور إقليمي، أياً كان هذا المحور.
إذا كان الصراع مع إسرائيل سيستمر، فليست الحكمة أن نكرر الحروب نفسها بالأدوات نفسها، ثم ننتظر نتائج مختلفة.
ربما حان الوقت للانتقال من عقيدة "الحرب حتى النصر" إلى استراتيجية "الصراع من أجل تحقيق نتيجة".
والسؤال الأصعب والأكثر أهمية،بأي عقل سياسي سنقاومها، وبأي مشروع سنحوّل الصراع من مأساة متكررة إلى طريق نحو نتيجة مختلفة؟