Lebanon News I ليبانون تابلويد : أخبار الساعة من لبنان والعالم!


كتاب عقل العويط : " السيد Cooper  وتابعُه"

نشرت جريدة النهار مقالة أنطوان سلامه عن كتاب الشاعر عقل العويط:" السيد Cooper  وتابعُه".

الخميس ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٣

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة
اضغط هنا

تحت عنوان :"عقل العويط وتعابير تغتني بالاختبارات في العلاقة مع الكلب كقيمة بعدما نجسته الأديان والأساطير"جاء:

أنطوان سلامه- لا يُقاس غورُ الفرح والحزن في نص الشاعر عقل العويط في كتابه الجديد عن دار نوفل " السيد Cooper  وتابعُه" الا بعد قراءته. لا يُصنّف كتابه في " أدب الحيوان" عند العرب، برغم بطولة كلب فيه، بل يُساق في كتابات وأفلام  وتعابير تشكيلية غربية تغتني بالاختبارات في العلاقة مع الكلب كقيمة بعدما نجستّه الأديان والأساطير والأمثال الشعبية.

فأيّ رمزية يحمل كلب عقل  العويط ؟

كلبه ليس ك"كلب الست" الذي حوّله الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم الى قصيدة  تنتقد أم كلثوم والسلطة، أو ككلاب رواية  "المتشائل" للكاتب الفلسطيني إميل حبيبي حيث ترافق السجّان الاسرائيلي، أو نادرة لبنانية من نوادر سلام الراسي ،أو في تظهير الإنسان المسحوق على مسرح، في "زارادشت صار كلبا" لريمون جبارة ، أو في  محور صراع الخير والشر، المعنى والعبث، في " اللص والكلاب" لنجيب محفوظ، أو البطل- المُنقذ في سلسلة الكتب المصوّرة عن "تان تان" وأفلام بوليصية تقليدية والكترونية ،أو الكلب الأنيق في الروايات الأميركية، أو الرفيق الصادق في الأدب الفرنسي الحديث، أو الكامل الأوصاف القريب من الحصان في اللوحات الإنجليزية الكلاسيكية... أهمية السيد Cooper أنّه حوّل عقل العويط الى كاتب يناقض، شكلا ومضمونا، الكاتب السابق الذي فيه، بأسلوبه المشحون بالغرائبية والتجريدية والرمزية، فإذا به كاتب الأسلوب النثري الرقراق، يتلألأ في جمل فعلية  قصيرة ومقطوفة، الخيال فيها واقعيّ جدا، "استرداديّ" لحدث يخطّه السيد Cooper، يوميا، في برنامجه بين بيت ونزهة.

كتاب" السيد Cooper  وتابعُه" هو كتابُ فرحٍ وكآبة، كماليات بورجوازية وتفاصيل وجودية، يسرد عقل العويط سياقها الحياتي، ببساطة المتنسّك والمنعزل والمتوحّد والعبثي الهارب من البشر في فجائع العصور المتتالية، الى زاوية حميمة، وساكنة، فيها عقل العويط وابنه أنسي والكلب وظلال نساء.

في هذا البُعد، يُسقط عقل العويط الصفات الطبقية و"البرجعاجية" عن نصّه ومحوره، ليسترسل في ما يعطيه له، هذا الكائن  من بهجة. لا انتحال صفات في السرد. الشخصيات واضحة ،حيّة، حقيقية... وعفوية. لا اصطناع في الحبكة، سبَك عقل العويط نصّه، أذاب معانية ليصنع منه مادة من الغبطة والمسرّة والتعابير الرماديّة.

الفرح في الكتاب هو الخط في متفرعاته العبثية، في أعجوبة حرّرت عقل العويط من أثقال المرحلة البائسة، وتراكمات الذات المنطوية، ليكتب نصّه عن كلب هو بداية القصة ونهايتها، عن فرح يناقض يأس المدينة وسكانها، وعن فرح يتخطى البطر ليلامس المفراحُ فيه المآسي، بانشراح من ينال المُشتهى. كائنان متساويان يتفاعلان يوميا في العزلة.

عقل العويط في كتابه الجديد مسرور، مبتهج بكلبه الذي يحسّن مكانه ويجمّله، ويجد معه متعةً دفعته للكتابة بهذا الكمّ من المفردات والمصطلحات المتفائلة والمندهشة ... ولا يلبث هذا الأسلوب الذي ينهمر فرحا  أن يستنقع مع تقدم النص وتطوره الدرامي، فيتحوّل تلاشي الفرح الى عقدة القصة التي تبحث عن النهاية  كما في الحكاية.

تعود الأسئلة الوجودية لتظهر. يدخل عقل العويط  من خلال الشك في تحديد علاقته مع كلبه ، يتخطّى، ليعترف به كائنا عاقلا جميلا بعينيه، منه ينتقل الى ذاته في خرابها، وأخطائها، يبوح في عرائها، عن خوفه وعوزه واضطراباته.

من قمة الفرح يهبط الى أسفل ، يُبدّل ثوب نصّه، ، فكلّما تحدث عن كلبه طفح الفرح وفاض من جوانب سرده، وكلما تناول ذاته غرق أسلوبه في كآبة انعزالية جينية الأصل. يعطي التأرجح بين الحدّين حبكته جاذبية وإغراءات لمتابعة قراءة كتابه بنهم ورغبة. في تطور الانكشاف والانتقال من حالة نفسية مَرضية ومستسلمة الى حالة أخرى مكتوية بنارها، يجذب عقل العويط  القارئ الذي اعتاد تصفّح المرثيات في الكتابات الشرقية في اتجاه واحد، اتجاهاته ثنائية الطابع، من فرح مفاجئ الى حزن دفين...يبدو عقل العويط  كدونكيشوت الهائم بين انتصار واهم وانكسار حتمي، بين فرح اللحظة المتخيّلة وبين حزن اللحظات الحقيقية والموجعة.

لن تتغيّر نظرة الإعجاب الاستثنائي للسيد Cooper الا حين يخضع لجراحة بيطرية، يتراجع الفرح في العلاقة الغريبة بين شاعر وكلب في تحوّل يرتقي فيها Cooper من كائن الى " انسان" وهذا تطرف سبّاق في الأدب، صحيح أنّ أدباء كثرا، وكتاب حوارات سينمائية وتلفزيونية والكترونية حمّلوا لسان الكلاب لغة تخاطب، غير أنّ عقل العويط حمّله "إدراك" عبثية الوجود، في مقاربة تشاؤمية ليسارع الى نزعها حين يلتقى كلبه مع ابنه أنسي فيرتقي  السيد Cooper  الى "سوبر انسان".

يعتمد عقل العويط المبالغات يستمدها مما يراه في كلبه حتى في تجنيسه كمواطن. هذا التوهم  مرضيّ ربما، لكنّه يخدم  في الفن السردي آليّات الجذب من خلال التوقع أو الظنّ أو التخيّل، فيتوسم في "بطله- الكلب" ما يحتاجه أو ما يُقنع القارئ بنصّه المتخيّل انطلاقا من واقع معيوش.

ينحو عقل العويط في أسلوبه الى الخيال الأدبي الذي يستند الى المنطق الذاتي الذي يفسّر للقارئ تدفق أفكاره واستعاراته ومقارناته ، فيستخدمها الكاتب إجمالا في صياغات غير مألوفة، وكل ما في كتاب " السيد Cooper  وتابعُه" لا يخضع الا للمنطق الذي يسيّره مؤلفه نحو الواقع المتعدد، من اليوميات والجنس والحب والعزلة والخطر والغبطة بعودة Cooper من ضياعه في القرية معتزا بفقده عذريته، صعودا من الحالة الخاصة الى الحالة العامة في مقاربة اجتياحات كوفيد، وثورة١٧ تشرين التي يرى عقل العويط أنّها " اعتراض شعري" يستحيل أن يتحوّل الى  "فعل سياسي"، الى انفجار مرفأ بيروت وجرائمه ، ليعود عقل العويط في سرديته الى السيد Cooper الذي انقذه مرة من "ضربة" سيارة وأنقذه مرارا من الانهيارات النفسية نتيجة إفلاس أو بسبب الوحشة.

" السيد Cooper  وتابعُه" يخلط المتخيّل بالواقعي ، تتقاطع معانيه في إرادة كاتبه أن يسرد دوما ما يُغري لقراءته من الصفحة الأولى الى الأخيرة، في توالي حوادثه اليومية وشطحاته النفسية وتعاقبها، ليبقى "كتاب فرح" برغم عبثية عقل العويط.

المصدر: جريدة النهار٢ تشرين الثاني ٢٠٢٣-السنة ٩١-العدد ٢٨١٣٩. 

      


أحدث مقاطع الفيديو
مشاهدة :47937 الجمعة ١٤ / يناير / ٢٠٢٤
مشاهدة :44716 الجمعة ١٤ / يونيو / ٢٠٢٤
مشاهدة :44232 الجمعة ١٤ / يناير / ٢٠٢٤
معرض الصور