لم تردّ اسرائيل حتى الآن على صاروخ مجدل شمس مع توقعات بأنّ يكون ردّها محدودا تحت سقف المشيئة الأميركية.
الثلاثاء ٣٠ يوليو ٢٠٢٤
المحرر السياسي-حتى هذه اللحظة نجحت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن في خفض السقوف العالية في الجانبين الإسرائيلي والإيراني طالما أنّ طهران باتت تتحكّم بأهم مفتاح لها في الإقليم، جبهة الجنوب اللبناني، بعدما مُنيت بخسائر فادحة في قطاع غزة نتيجة انكماش البنية العسكرية لحماس تحت الضربات الاسرائيلية المتوحشة. ربما لأول مرة، ومنذ فترة بعيدة، تُجيد الديبلوماسية اللبنانية استعمال المصطلحات الدقيقة في خطابها حين كشف الوزير عبدالله بو حبيب أنّ الحكومة اللبنانية تبلغت بالقنوات الديبلوماسية أنّ الرد الإسرائيلي على صاروخ مجدل شمس سيكون "محدودا" ومن دون أيّ توصيف، الا أن جاءت المواقف الأميركية لتتخوف من الردّ الإسرائيلي حين اعتبرت القيادة الإسرائيلية أنّ حزب الله تخطى خطا أحمر، في قواعد الاشتباك، أي في الاتفاق الضمني بينهما، باستهداف المدنيين، لذلك سارع الحزب بنفي مسؤوليته عن الصاروخ تداركا منه من الانزلاق الى متاهات خارج السقوف المحدّدة أميركيا وايرانيا، والتقى به في وسط الطريق الزعيم الدرزي وليد جنبلاط لمساعدته في الانسحاب التكتيكي من الصورة التي خلفتها مشهدية التوابيت في مجدل شمس، في وقت أعلنت فيه المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي الأميركيأ دريان واتسن، أن «الإدارة الأميركية منخرطة في مناقشات مستمرة مع الإسرائيليين واللبنانيين منذ هجوم مجدل شمس والتي وازنت فيه بين حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها وإدانة الحزب، وكشفت عما يدور في الأساس، وهو العمل على التوصل إلى حل دبلوماسي على طول الخط الأزرق من شأنه أن "ينهي جميع الهجمات مرة واحدة وإلى الأبد"، واعترفت المسؤولة الأميركية بالسقف الأميركي للرد الانتقامي الإسرائيلي "القوي ولكن المحدود" ضدّ حزب الله "الذي يسيطر على لبنان "كما أشارت. في لغة التجييش من الجانبين، الإسرائيلي وحزب الله، بقي الخطاب مرتفعا، يهدّد بنيامين نتنياهو بالردّ القوي والحتميّ، ويهدّد حزب الله من خلال تصاريح بعض القيادات الدينية الشيعية بقوة الحزب النارية التي لم تُستعمل بعد. ترصد الإدارة الأميركية جيدا نبض التصاريح من الجانبين المتنازعين وايقاعهما المرتفع ، وانطلاقا من برغماتيتها في مقاربة النزاعات، تخوّفت من أن يشكل صاروخ مجدل شمس شرارة الإنفلات من قواعد الاشتباك المرسومة، فيحصل ما تخشاه من توسّع الحرب. حتى الآن لم يكن الردّ الإسرائيلي "سريعا وقاسيا ومؤلما" كما وعد داني دانون، السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة الذي كرّر معزوفة "الطمأنة" أنّ" إسرائيل ليس لديها نيات لشن حرب شاملة". وفي دائرة المعرفة الأميركية بأنّ توسيع الحرب ليس من مصلحة إسرائيل وايران، قال وزير الخارجية الأميركية انتوني بلينكن:" لا نريد أن نرى الصراع يتصاعد" في تصريح حمل نبرة الأمر. وفي معادلة قواعد الاشتباك تتحرّك الإدارة الأميركية لكي لا تشاهد لبنان مدمّرا ولا ترى الأضرار الجسيمة في شمال إسرائيل، وخارج هذه المعادلة، كلّ خطاب يحمل "مرجلة" من قيادات إسرائيل وحزب الله هو للتجييش، فالاتفاق الضمني بين الجانبين لا يزال ساري المفعول برعاية أميركية وايرانية ، والباقي تفاصيل في وقود الحرب ومحاولات تسجيل النقاط. والخطير في هذه المواجهة، أنّ بنيامين نتنياهو يتحرّك تحت السقفين الأميركي والداخليّ في لعبة من التجاذبات التي تدور بينه وبين منافسيه والرأي العام في حين أن حزب الله لا يُسأل في لبنان عن فوائد فتح الحنوب للإسناد والمشاغلة، فهو الأقوى. سيحاول نتنياهو، في المرحلة القريبة، الضغط على حزب الله لتأمين انشقاق بين جبهة الجنوب المشتعلة وبين جبهة غزة المفككة فلسطينيا، وسيحاول حزب الله الاستثمار سياسيا في اللحظة العسكرية المنفتحة على تسويات تُطبخ في الغرف المغلقة في واشنطن وطهران وتل أبيب في ظل وقوف القيادات العربية البارزة على ضفة النهر وما سيحمله من جثث وقيادات نجت بنفسها من أتون الحرب. أما إيران فإن سقوط ضحايا في مجدل شمس الدرزية العربية أقلّ أهمية من اعتداء اسرائيل على سيادتها في سفارة دمشق ومع ذلك حافظت على "صبرها الاستراتيجي".
بين تصاعد العمليات العسكرية وتراجع الدور الرسمي، يدخل لبنان مرحلة خطرة وسط غموض يلفّ مآلات المواجهة.
توحي المواقف الأميركية والايرانية تصعيدا في الميدان العسكري سينعكس على الجبهة اللبنانية.
بين فصل الجبهات وتضارب الرسائل الدولية، تبدو الجبهة اللبنانية مفتوحة على حرب طويلة تُدار بمنطق التدمير أكثر من التسوية.
بعد تجربة الترسيم البحري، يدخل لبنان مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد التفاوض خيارًا متاحًا بسهولة، بل نتيجة تُفرض بعد حرب تغيّر موازين القوى.
بيار روفايل من الصحافيين الذين تركوا، في تاريخ الصحافة اللبنانية ، بصمة خاصة جداً.
من الأرض المحروقة إلى السيطرة التكنولوجية، إسرائيل تختبر نموذجًا جديدًا للاحتلال، فيما الداخل اللبناني غارق في انقساماته.
بين غموض الحرب وعجز الدولة واستنزاف المجتمع واندفاعات حزب الله، يتحول النزوح الجماعي إلى قنبلة اجتماعية موقوتة تهدد الاستقرار اللبناني.
من القرار 1701 إلى تعثّر الوساطات، يتكرّس موقع لبنان كورقة تفاوض إقليمية في صراع تتجاوز حدوده الجغرافيا.
تُمسك ايران بالملف اللبناني حربا وسلما مع اتجاهها الى ضمه الى ملف المفاوضات مع الولايات المتحدة الاميركية.
تتكاثر الأسئلة حول الصاروخ الذي اخترق الأجواء فوق كسروان: هل كان استهدافًا عشوائيًا أم رسالة استراتيجية مرتبطة بتوازنات الحرب الإقليمية؟