لا تزال اسرائيل تربط قطاع غزة بجنوب لبنان كمنطقة أمنية واحدة فيتشابه الأداء في التصرف.
الإثنين ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٥
المحرر السياسي- في حين فكّت حركة حماس بقبولها خطة ترامب جبهة غزة عن جبهتي جنوب لبنان واليمن، صدر موقف اسرائيلي خطير، يستوجب التوقف عنده، فقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس إن "الخط الأصفر" الذي انسحبت إليه القوات الاسرائيلية بموجب اتفاق وقف إطلاق النار "سيحدد بعلامات واضحة"، وإن "أي خرق لوقف إطلاق النار أو محاولة لعبور الخط ستُواجَه بإطلاق النار". هذا يعني أنّ إسرائيل ماضية في تثبيت "الخط الحديدي" المتداول منذ عشرينات القرن العشرين، والقاضي بخلق حزام أمني واسع يمتد من غزة الى البحر الأبيض المتوسط، بعبارات أخرى، رسم دائرة جغرافية تُسمى أيضا " المنطقة الأمنية" حول الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل منذ "النكسة". من المفترض أنّ موقف كاتس يعني لبنان. سارع الرئيس جوزاف عون،بعد اتفاق ترامب، الى طرح التفاوض مع حكومة نتنياهو على ان يتم الاتفاق على الطريقة لاحقا. في المقابل، تواصل قيادات شيعية الاندفاع في التشدد معتبرة أنّ حزب الله لم يخسر الحرب كما أعلن المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان الذي قال إن "إسرائيل عدو مطلق وأي مفاوضات مباشرة معها ستفجّر البلد". في العمق تتقاطع مواقف الرئيس عون وقيادات شيعية متطرفة في رفض التفاوض المباشر وهذا ما عبّر عنه رئيس الجمهورية وإن أبقى باب الخيارات مفتوحا. أصاب الرئيس عون بتغيير مفردات الخطاب اللبناني تجاه التعاطي مع إسرائيل، وانطلق من دعوته التفاوضية من تجربة الترسيم البحري الذي قاده ووافق عليه الثنائي الشيعي قبل الحكومة، والذي تخلى لبنان بموجبه عن مساحات مائية واسعة لسبب مجهول. وإذا كانت المفاوضات البحرية بين لبنان وإسرائيل جرت بسلاسة ومن دون محاسبة محلية للنتائج التفاوضية، وهي سلبية، فذلك لأنّ الثنائي الشيعي وافق على الاتفاق وواكب مفاوضاته أصلا، لكنّ التفاوض المرتجى حاليا بين لبنان وإسرائيل أصعب لاعتبارات عدة منها النكبة التي يعيشها شريط كامل في الجنوب،واحتلال الجيش الإسرائيلي نقاطا حدودية في الأراضي اللبنانية، والأهم أنّ لبنان يقف في دائرة رمادية بين عجز الدولة وحزب الله عن المواجهة العسكرية، وبين الدخول في التفاوض بضعف شديد نتيجة موازين القوى التي نتج عن "خطأ" فتح الجنوب جبهة مساندة. ما هي الخيارات المُتاحة أمام لبنان؟ الخيار الأسلم هو التفاوض مع ابتكار "عقلية" جديدة في مقاربة المخاطر ولاسيما أنّ إسرائيل تتجه الى قضم الأراضي في غزة بما يخلق غلافا واسعا للقطاع وهذا نموذج من نماذج خطتها الواسعة في رسم منطقة آمنة على حدودها تثبتها باتفاقيات سلام كما مع مصر والأردن أو بالنار كما في غزة امتدادا الى لبنان. تتصرّف إسرائيل بغطاء أميركي وغربي، وببراغماتية عربية ،وتقيّة إيرانية،بما يترك لبنان وحيدا في ساحة الصراع المتزايدة مخاطره باحتمالات خسارة الأرض. وتتصرف اسرائيل أمنيا مع غزة كما مع لبنان بما يعطي اشارات مقلقة، وخير دليل أنّ الغارات الاسرائيلية مؤخرا على القطاع أعادت للأذهان الضربات التي شنتها إسرائيل ردا على ما اعتبرته انتهاكات جسيمة لوقف إطلاق النار مع حزب الله في أواخر 2024، وذلك بعد أسبوع من سريانه، وهذا يعني أنّ حكومة نتنياهو لا تفاوض الا بالنار.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.