من واشنطن إلى العواصم الكبرى، تعود مفاوضات “مستوى السفراء” كأداة مرنة لإدارة النزاعات الحساسة، فهل تفتح الباب أمام اختراقات هادئة في ملفات معقدة كالعلاقة بين لبنان وإسرائيل؟
الجمعة ١٠ أبريل ٢٠٢٦
المحرر السياسي- في مشهد دبلوماسي لافت، يُعقد الاجتماع الأول للتفاوض بين لبنان وإسرائيل في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، على مستوى السفراء، بمشاركة سفيرة لبنان في الولايات المتحدة ندى معوض، وسفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل ليتر، إلى جانب السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى ممثلاً للجانب الأميركي في جميع الجلسات. هذا الإطار التفاوضي، الذي يبدو أقل صخباً من اللقاءات الوزارية أو القمم الرئاسية، يحمل في طياته دلالات عميقة تتجاوز شكليته البروتوكولية. لماذا مستوى السفراء؟ التفاوض على مستوى السفراء ليس خياراً تقنياً فحسب، بل هو أداة سياسية مدروسة. ففي النزاعات المعقدة أو الحساسة، حيث تكون الكلفة السياسية لأي تنازل مرتفعة، يتيح هذا المستوى هامشاً أوسع للمناورة. السفراء، بحكم خبرتهم الدبلوماسية وارتباطهم المباشر بصنّاع القرار، قادرون على اختبار الأفكار وطرح صيغ وسطية من دون التزام علني نهائي. كما أن هذا النوع من المفاوضات يوفّر "مسافة أمان" للدول المعنية، إذ يمكنها التراجع أو تعديل مواقفها من دون إحراج داخلي أو دولي، وهو ما يُعدّ ضرورياً في حالات العداء التاريخي أو غياب العلاقات الدبلوماسية، كما هو الحال بين لبنان وإسرائيل. تجارب عالمية مشابهة عرفت الدبلوماسية العالمية نماذج عديدة لمفاوضات جرت على مستوى السفراء أو المبعوثين الخاصين، وأسهمت في تحقيق اختراقات تدريجية، ففي سياق اتفاقات السلام بين مصر وإسرائيل التي تُوّجت بـ اتفاقيات كامب ديفيد، لعبت القنوات الدبلوماسية غير العلنية دوراً حاسماً في تهيئة الأرضية قبل القمة السياسية. كذلك، شهدت المفاوضات التي أدت إلى الاتفاق النووي الإيراني مراحل طويلة من اللقاءات التقنية والدبلوماسية على مستويات دون وزارية، قبل الوصول إلى الاتفاق النهائي(2013: اتفاق مرحلي أولي- 2015: الاتفاق النهائي الشامل) . أما في البلقان، فقد سبقت اتفاقية دايتون سلسلة اجتماعات دبلوماسية مكثفة، شارك فيها مبعوثون وسفراء مهّدوا الطريق للحل السياسي. هذه النماذج تشير إلى أن "دبلوماسية الظل" أو "الدبلوماسية الهادئة" غالباً ما تكون المختبر الحقيقي للحلول، قبل أن تُعلن في صيغها الرسمية. الدور الأميركي: الوسيط الدائم انعقاد الاجتماع في واشنطن، وبمشاركة السفير الأميركي في بيروت، يعكس استمرار الدور الأميركي كوسيط رئيسي في هذا النوع من الملفات. الولايات المتحدة لا تكتفي بتوفير المكان، بل تضطلع بدور الضامن والميسّر، مستفيدة من علاقاتها مع الطرفين وقدرتها على تقديم حوافز أو ممارسة ضغوط عند الحاجة. هذا الدور ليس جديداً، إذ سبق لواشنطن أن أدارت مفاوضات مشابهة في ملفات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، ما يعزز فرضية أن المسار الحالي قد يكون امتداداً لنهج "التقدم التدريجي" بدل الحلول الشاملة. ماذا يعني ذلك للبنان؟ بالنسبة للبنان، يحمل التفاوض على مستوى السفراء بعدين أساسيين: أولاً، هو اعتراف ضمني بأهمية القنوات الدبلوماسية غير المباشرة في إدارة النزاع، بعيداً عن الخطاب التصعيدي الذي يلتزم به حزب الله . ثانياً، يمنح الدولة اللبنانية فرصة اختبار نوايا الطرف الآخر، من دون الانخراط في التزامات سياسية كبرى قد تكون غير قابلة للتسويق داخلياً. لكن في المقابل، يبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً بمدى وضوح الأهداف اللبنانية ووحدة الموقف الداخلي، وهو ما يشكل تحدياً دائماً في ظل الانقسامات السياسية. بين الرمزية والواقعية قد يبدو التفاوض على مستوى السفراء خطوة متواضعة، لكنه في عالم الدبلوماسية غالباً ما يكون البداية الحقيقية. فالاتفاقات الكبرى لا تولد فجأة، بل تُبنى عبر طبقات من النقاشات الهادئة والتفاهمات الجزئية. في هذا السياق، لا ينبغي التقليل من أهمية اجتماع واشنطن. فهو، وإن لم يُنتج حلولاً فورية، قد يؤسس لمسار طويل من التفاوض المنهجي، حيث تتحول العواصم إلى مختبرات سياسية، والسفراء إلى مهندسي تسويات غير معلنة. في النهاية، قد لا تُحسم النزاعات في قاعات السفراء، لكنها بالتأكيد تبدأ هناك، وتمر بمراحل من التعثر ثم التقدم التدريجي. وعلى طاولة التفاوض، لا يحضر فقط ممثلو الدول الثلاث، بل تتقاطع أيضاً تأثيرات اللاعبين غير المباشرين، وفي مقدمهم حزب الله، الذي ينعكس حضوره في الشارع والمنابر السياسية، كما في حسابات القوى الإقليمية، ولا سيما إيران، ما يجعل أي مسار تفاوضي جزءاً من شبكة توازنات أوسع تتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة. في هذا السياق، تبدو المفاوضات أمام الجانب اللبناني شاقة ومعقّدة، في ظل استمرار الشكوك حول التزام إسرائيل بوقف الأعمال العدائية، وتزامناً مع اعتراضات داخلية يقودها حزب الله. وبين ضغوط الميدان وحسابات السياسة، سيجد لبنان نفسه أمام اختبار دقيق، فإما تحويل التفاوض إلى فرصة لخفض التصعيد التدريجي، أو الانزلاق مجدداً إلى حلقة مفرغة من التوترات المفتوحة.
بين مناورات الخداع الإسرائيلية وارتباك محور الممانعة، تكشف ضربة بيروت خللاً عميقاً في قراءة التحولات الإقليمية وانفصالاً متزايداً بين الميدان ومراكز القرار.
بين تصعيد مضبوط ورسائل نارية، هل تتحوّل الجبهة الجنوبية إلى ورقة تفاوض في مفاوضات إسلام آباد، أم إلى ساحة اشتباك مفتوحة على كل الاحتمالات؟
لم تظهر انتقادات لقبول ايران بالتفاوض في البيئة التي "خونت" رئيسي الجمهورية والحكومة في طرحهما التفاوض مع اسرائيل.
بين تصاعد العمليات العسكرية وتراجع الدور الرسمي، يدخل لبنان مرحلة خطرة وسط غموض يلفّ مآلات المواجهة.
توحي المواقف الأميركية والايرانية تصعيدا في الميدان العسكري سينعكس على الجبهة اللبنانية.
بين فصل الجبهات وتضارب الرسائل الدولية، تبدو الجبهة اللبنانية مفتوحة على حرب طويلة تُدار بمنطق التدمير أكثر من التسوية.
بعد تجربة الترسيم البحري، يدخل لبنان مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد التفاوض خيارًا متاحًا بسهولة، بل نتيجة تُفرض بعد حرب تغيّر موازين القوى.
بيار روفايل من الصحافيين الذين تركوا، في تاريخ الصحافة اللبنانية ، بصمة خاصة جداً.
من الأرض المحروقة إلى السيطرة التكنولوجية، إسرائيل تختبر نموذجًا جديدًا للاحتلال، فيما الداخل اللبناني غارق في انقساماته.
بين غموض الحرب وعجز الدولة واستنزاف المجتمع واندفاعات حزب الله، يتحول النزوح الجماعي إلى قنبلة اجتماعية موقوتة تهدد الاستقرار اللبناني.