يشكل التفاوض المباشر بين لبنان واسرائيل حالياً حلقة من حلقات تفاوض انطلق منذ العام 1948 ولم يصل الى نتائج مستدامة.
الثلاثاء ٠٥ مايو ٢٠٢٦
جورجيوالهوا -المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية اليوم ليست بداية جديدة، بل استمرار لمسار طويل من إدارة النزاع منذ عام 1948. كل جولة تفاوضية جاءت بعد تصعيد عسكري أو أمني، وكل اتفاق كان مؤقتًا أو جزئيًا، مع حضور دائم للوسطاء، خصوصًا الأميركيين. هذا المسار يعكس ثباتًا في نمط التفاوض اللبناني–الإسرائيلي، حيث يكون التفاوض دائمًا تحت الضغط، لا نحو الحل النهائي. الاشكالية التي تُطرح هي ما إذا كانت المفاوضات المباشرة الحالية تشكّل بداية لمسار حل نهائي أم استمرار لنمط إدارة الصراع تحت الضغط العسكري والدبلوماسي، مع بقاء النتائج مرحلية ومؤقتة. اتفاق الهدنة 23 آذار 1949 بعد حرب 1948 و"النكبة"، وقع لبنان وإسرائيل اتفاق هدنة في رأس الناقورة في 23 آذار 1949 برعاية الأمم المتحدة. نص الاتفاق على وقف الأعمال العدائية وتثبيت خط الهدنة، الذي أصبح لاحقًا يُعرف باسم "الخط الأزرق"، وإنشاء لجنة مراقبة لمتابعة التنفيذ. هذا الاتفاق كان إطارًا لإدارة النزاع، وأسس نمطًا سيستمر لعقود لاحقة، حيث تكون المفاوضات وسيلة لضبط المواجهات وليس لإنهاء النزاع بشكل دائم./ فتح جبهة الجنوب واتفاق القاهرة 3 تشرين الثاني 1969. بعد هزيمة حرب 1967 أي النكسة، بدأ انتقال الفصائل الفلسطينية، خصوصًا منظمة التحرير الفلسطينية، إلى جنوب لبنان بين 1968 و1969، وتحوّل الجنوب تدريجيًا إلى قاعدة للعمل الفدائي ضد إسرائيل، خاصة بعد خروج الفصائل من الأردن إثر أيلول الأسود في أيلول 1970، ما أدى إلى تصاعد العمليات العسكرية من الأراضي اللبنانية وردود إسرائيلية متكررة، ودخول لبنان في حالة استنزاف أمني وسياسي وسط انقسام داخلي حول شرعية هذا الوجود المسلح؛ وفي 3 تشرين الثاني 1969 وُقّع اتفاق القاهرة برعاية رئيس الجمهورية المصرية انذاك جمال عبد الناصر، ونصّ على تنظيم الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، والسماح بعمليات عسكرية ضد إسرائيل من مناطق محددة في الجنوب، ومنح المنظمة إدارة أمنية للمخيمات مع رقابة شكلية للجيش اللبناني، ما أدى عمليًا إلى شرعنة العمل الفدائي وتراجع سيطرة الدولة اللبنانية على أجزاء واسعة من الجنوب وتحويله إلى ساحة مواجهة مفتوحة ضمن الصراع العربي–الإسرائيلي؛ واستمر هذا التصعيد طوال السبعينيات، وصولًا إلى 14 آذار 1978 حين نفذت إسرائيل عملية الليطاني، التي جاءت نتيجة مباشرة لتفاقم العمليات عبر الحدود. عملية الليطاني 14 آذار 1978 والقرار 425 في 14 آذار 1978 أطلقت إسرائيل عملية الليطاني، حيث اجتاحت الجنوب اللبناني وصولًا إلى نهر الليطاني، في سياق التصعيد العسكري الناتج عن العمليات الفلسطينية عبر الحدود. جاء ردّ المجتمع الدولي سريعًا، إذ أصدر مجلس الأمن في 19 آذار 1978 القرار القرار 425 الذي دعا إلى انسحاب إسرائيلي فوري من الأراضي اللبنانية وأنشأ قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان اليونيفيل، كما تبعه القرار القرار 426 في اليوم نفسه لتحديد إطار عمل هذه القوة الدولية. ورغم ذلك، لم يكتمل الانسحاب الإسرائيلي فعليًا، إذ احتفظت إسرائيل بوجودها عبر ما عُرف بـ“الشريط الحدودي” في الجنوب اللبناني، ما أبقى المنطقة في حالة توتر وصراع مستمر. اجتياح بيروت 6 حزيران 1982 ومهمة فيليب حبيب في 6 حزيران 1982 أطلقت إسرائيل حرب لبنان 1982 تحت اسم "سلامة الجليل"، وتقدّمت قواتها حتى بيروت الغربية حيث حوصرت العاصمة بين حزيران وآب 1982، في ظل تمركز منظمة التحرير الفلسطينية داخلها واحتمال توسّع الحرب إقليميًا؛ وفي هذا السياق برز دور المبعوث الأميركي فيليب حبيب الذي قاد دبلوماسية تحت النار بهدف وقف إطلاق النار، وتأمين خروج آمن للمقاتلين الفلسطينيين، وتجنّب تدمير بيروت واحتواء التصعيد مع سوريا بقيادة حافظ الأسد، وقد نجح في التوصل إلى اتفاق أفضى إلى وقف إطلاق النار في آب 1982، ثم إلى إجلاء مقاتلي منظمة التحرير بين 21 و30 آب 1982 نحو دول عربية مختلفة، مع انتشار قوة متعددة الجنسيات (أميركية–فرنسية–إيطالية) للإشراف على التنفيذ؛ وبذلك شكّلت هذه المهمة نموذجًا مبكرًا لـ“دبلوماسية إدارة الأزمات” حيث لم تُنهِ الحرب جذريًا بل احتوتها مؤقتًا، ومهّدت لتحولات لاحقة في طبيعة الوجود الفلسطيني في لبنان وانتقال مركز الثقل السياسي خارج بيروت. بروز حزب الله وتفجير القوات متعددة الجنسيات 23 تشرين الأول 1983 بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت عام 1982 إثر حرب لبنان 1982، لم ينتهِ الصراع بل دخل مرحلة جديدة اتسمت ببروز قوى لبنانية محلية، وفي مقدمتها حزب الله الذي نشأ بين 1982 و1985 في سياق الاحتلال الإسرائيلي للبنان، والدعم الإيراني من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والبيئة الشيعية في الجنوب والبقاع، وأعلن عن نفسه رسميًا في “الرسالة المفتوحة” عام 1985؛ وفي 23 تشرين الأول 1983 شهدت بيروت حدثًا مفصليًا تمثل في تفجير مقري القوات متعددة الجنسيات، حيث استهدف تفجير ثكنة القوات الأميركية (مقتل 241 جنديًا) وتفجير موقع القوات الفرنسية (مقتل 58 جنديًا)، ما أدى إلى زلزال سياسي وعسكري كبير نُسب إلى مجموعات مرتبطة بحزب الله في سياق تشكّله المبكر، وأفضى إلى انسحاب القوات متعددة الجنسيات عام 1984؛ وقد شكّلت هذه التطورات نقطة تحوّل استراتيجية، إذ انتقل مركز الثقل في المواجهة من الفصائل الفلسطينية إلى حزب الله، وتحوّل الصراع في الجنوب اللبناني من طابع إقليمي تديره منظمة التحرير إلى صراع محلي–إقليمي تقوده قوى لبنانية بامتدادات خارجية، وهو نمط استمر لاحقًا وصولًا إلى انسحاب إسرائيل عام 2000 ثم حرب 2006. اتفاق 17 أيار 1983 وانتفاضة 6 شباط 1984 في 17 أيار 1983 وقّعت الحكومة الدولة برئاسة أمين الجميل اتفاقًا مع إسرائيل برعاية أميركية عُرف بـاتفاق 17 أيار، ونصّ على انسحاب متبادل للقوات وترتيبات أمنية على الحدود، مع صيغة تطبيع غير مباشر بين الطرفين، لكنه واجه رفضًا داخليًا واسعًا من قوى سياسية لبنانية وسورية؛ وفي 6 شباط 1984 اندلعت انتفاضة 6 شباط 1984 في بيروت الغربية بقيادة نبيه بري وحركة أمل، وبدعم سياسي سوري، ما أدى إلى انهيار السلطة العسكرية الحكومية في بيروت الغربية وسقوط الاتفاق فعليًا، ثم في 5 آذار 1984 أعلنت الحكومة اللبنانية رسميًا إلغاءه، لترسّخ هذه المرحلة قاعدة أساسية في السياسة اللبنانية مفادها أن أي اتفاق لا يحظى بإجماع داخلي واسع يبقى هشًا وغير قابل للاستمرار. تفاهم نيسان 26 نيسان 1996 وعناقيد الغضب في نيسان 1996 شنت إسرائيل عملية عناقيد الغضب ضد جنوب لبنان، في سياق التصعيد مع حزب الله، ما أدى إلى موجة قصف واسعة طالت المدنيين. انتهت العملية في 26 نيسان 1996 بـتفاهم نيسان 1996 برعاية أميركية–فرنسية وبمساهمة سياسية بارزة من الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ونصّ على منع استهداف المدنيين وإنشاء لجنة مراقبة تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا وسوريا، ما جعله أول إطار غير مباشر ينظم “قواعد اشتباك” شبه رسمية بين الطرفين. مؤتمر مدريد للسلام 1991 مؤتمر مدريد للسلام شكّل لحظة مفصلية في تاريخ الصراع العربي–الإسرائيلي، إذ انعقد بين 30 تشرين الأول و1 تشرين الثاني 1991 برعاية الولايات المتحدة وروسيا في سياق نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي، وما رافق ذلك من تعزيز الهيمنة الأميركية بعد حرب الخليج الثانية، حيث قاد جورج بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر مبادرة لإطلاق مسار سلام طويل الأمد؛ وقد شاركت فيه إسرائيل ودول عربية بينها لبنان وسوريا ومصر، إضافة إلى وفد فلسطيني ضمن المظلة الأردنية مع استبعاد منظمة التحرير الفلسطينية، واعتمد المؤتمر هيكلية تفاوضية مزدوجة تقوم على مسار ثنائي مباشر شكليًا لمعالجة قضايا السيادة كالأرض والحدود والأمن، ومسار متعدد الأطراف لمعالجة قضايا إقليمية كالمياه واللاجئين والتنمية، مع دور أميركي نشط عبر “الدبلوماسية المكوكية”، لكن فعاليته بقيت محدودة، لينتهي المسار عمليًا مع تغيّر القيادة السياسية بوصول بيل كلينتون وسقوط حكومة إسحاق شامير وصعود إسحاق رابين، بالتوازي مع انتقال الثقل إلى مفاوضات سرية أفضت إلى اتفاق أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية، أما لبنان فدخل المؤتمر ضمن تنسيق وثيق مع سوريا وفق مبدأ “تلازم المسارين”، نتيجة الوجود السوري بعد اتفاق الطائف، مركزًا على هدف إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لجنوبه وتنفيذ القرار 425 دون السعي إلى سلام شامل، إلا أن ارتباطه بالمسار السوري عطّل تقدمه، فبقيت نتائجه محدودة، إلى أن تحقق الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 بفعل توازنات ميدانية أكثر منه ثمرة تفاوضية. الانسحاب الإسرائيلي 25 أيار 2000 وحرب تموز 12 تموز – 11 آب 2006 في 25 أيار 2000 انسحبت إسرائيل أحاديًا من جنوب لبنان بعد سنوات من المقاومة والضغط العسكري والسياسي، وتم التحقق من الانسحاب من قبل الأمم المتحدة وفق ما عُرف بـالخط الأزرق، بينما استمر الخلاف حول مزارع شبعا التي بقيت موضع نزاع بين لبنان وسوريا وإسرائيل. مثّل هذا الانسحاب تحولًا كبيرًا في طبيعة الصراع، من احتلال مباشر إلى نزاع حدودي مفتوح قائم على تفسير السيادة والخرائط. في 12 تموز 2006 اندلعت حرب تموز 2006 بين إسرائيل وحزب الله بعد عملية عبر الحدود، وتحوّلت إلى حرب واسعة النطاق. انتهت في 11 آب 2006 بـالقرار 1701 الذي نصّ على وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وتعزيز قوات اليونيفيل، ما أدى إلى ترسيخ معادلة ردع غير معلنة بين الطرفين استمرت في ضبط التوتر دون إنهائه بالكامل. مفاوضات ترسيم الحدود البحرية 14 تشرين الأول 2020 – 27 تشرين الأول 2022 في 14 تشرين الأول 2020 انطلقت مفاوضات غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل في الناقورة برعاية الأمم المتحدة ووساطة أميركية، ضمن إطار تقني يهدف إلى حلّ النزاع حول الحدود البحرية وحقوق التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، من دون أي مسار تطبيع سياسي. وقد اعتمدت هذه المفاوضات على تبادل الرسائل عبر الوسيط الأميركي أموس هوكشتاين الذي قاد عملية الوساطة وفصل بين المسار التقني والاعتبارات السياسية، ما جعل التفاوض غير مباشر بالكامل ويقوم على إدارة نقاط الخلاف بدل معالجتها سياسياً. وفي 27 تشرين الأول 2022، أُعلن التوصل إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية، في نموذج اعتُبر سابقة في تاريخ الصراع اللبناني–الإسرائيلي، إذ نجح في تثبيت آلية تفاوض غير مباشر كأداة فعالة لإدارة النزاع دون أي تطبيع، وهو ما جعله لاحقًا مرجعًا في مقاربة ملفات الصراع المستقبلية. مفاوضات 2026 والميكانيزم مع دخول المرحلة الراهنة سنة 2026، يتّضح أنّ مسار التفاوض اللبناني–الإسرائيلي انتقل تدريجيًا من إدارة النزاع عبر قنوات تقنية إلى مستوى سياسي أكثر تقدّمًا، يتمثل في مفاوضات مباشرة تتخذ طابعًا أقرب إلى مستوى السفراء، وذلك بعد سلسلة من التصعيدات الحدودية التي عُرفت إعلاميًا بـ“حرب المساندة”، ما أعاد إحياء الحاجة إلى ضبط قواعد الاشتباك. في هذا السياق، برزت “لجنة الميكانيزم” كإطار عملي لتخفيف التوتر، وهي لجنة برئاسة ضابط أميركي وعضوية لبنان وإسرائيل واليونيفيل ووساطة الولايات المتحدة عبر المبعوث أموس هوكشتاين، وتقوم بوظائف أساسية تشمل مراقبة الخروقات، نقل الرسائل بين الطرفين، واحتواء التصعيد الميداني ضمن قواعد اشتباك غير معلنة. ومن خلال هذا التطور، يتّضح انتقال نوعي من التفاوض التقني المحدود (كما في ترسيم الحدود البحرية عام 2022) إلى نقاشات أوسع تشمل قضايا أمن الحدود، الاستقرار الميداني، ترتيبات الانسحاب، وملفات إنسانية وأمنية مرتبطة بالواقع الحدودي، ما يعكس تحوّلًا تدريجيًا في طبيعة إدارة الصراع دون الوصول بعد إلى تسوية سياسية شاملة. منذ عام 1949، لم يشهد المسار اللبناني–الإسرائيلي سلامًا دائمًا، بل أدوات لإدارة النزاع تحت الضغط، مع دور متكرر للوسطاء الدوليين. كل مرحلة تفاوضية جاءت بعد تصعيد عسكري أو أمني، وهكذا يحصل في الحرب الحالية، ما يضع السؤال بشأن ما إذا كانت المفاوضات المباشرة ستثبت قواعد اشتباك أم تمهّد لمسار جديد نحو حل سلمي مستدام.
يشكل التفاوض المباشر بين لبنان واسرائيل حالياً حلقة من حلقات تفاوض انطلق منذ العام 1948 ولم يصل الى نتائج مستدامة.
برغم الغزاة والطامعين والطامحين بقي جبل صنين ذاك الجبل الصامد لا يهتّز.
بين حنين ماروني إلى صيغ ما قبل"لبنان الكبير" وتصاعد نزعات انعزالية شيعية مدعومة بوقائع القوة، يقف الخط الوحدوي أمام اختبار قاسٍ تفرضه التحوّلات الإقليمية والحرب الأخيرة.
بين وقائع الميدان وضغوط السياسة، يقف لبنان أمام تحوّل قد يبدّل ثوابته، كما حصل في تجارب سابقة فرض فيها الواقع تسويات كانت تبدو مستحيلة.
ردّ رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على حملات التخوين الممنهجة التي طالته لاندفاعه في التفاوض المباشر مع اسرائيل.
القمر في الذاكرة يدوم في الليالي الصافية وأكثر...
رأس الرئيس دونالد ترامب الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة بين لبنان واسرائيل.
تنعقد الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة بين لبنان واسرائيل في واشنطن.
بين التفاوض غير المباشر وخيار الميدان، يرسم الرئيس نبيه بري حدود المناورة ويفتح كوة في جدار الانقسام.
في لحظة تتقاطع فيها التحذيرات مع الوقائع الميدانية، يقف لبنان أمام مفترق حاسم بين خيار التفاوض وكلفة "الميدان".