Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية

بعد نصرالله: ماذا بقي من السردية؟

تتجدد الأسئلة الكبيرة في ذكرى اغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله.
الضريح
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

أنطوان سلامه- ربما تصحّ مقاربة الذكرى الثانية لاغتيال حسن نصرالله، بما تحمله من رمزية، من خارج مقاربة الرجل نفسه. فلم يحن الوقت بعد لقراءة شخصيته قراءة تاريخية مكتملة، فمؤيدوه لا يزالون في حداد، وربما لا تزال الطائفة الشيعية نفسها تعيش في صدمة غيابه بوصفه غيابًا لرمز كبير من رموزها المعاصرة. لكن مرور عامين على اغتياله يتيح سؤالًا آخر، ماذا يبقى من السردية التي بناها، إذا قيست بالنتائج التي يعيشها لبنان وشيعته؟
كان السيد حسن  نصرالله، في جانب أساسي من صورته السياسية، ابنًا لرمزية شيعية قديمة تقوم على الانتظار والمظلومية والانتفاضة، لكنه أعاد تركيب هذه العناصر في سردية سياسية وعسكرية معاصرة جعلت إسرائيل مركزها شبه الدائم.
لم تكن إسرائيل بالنسبة إليه مجرد عدو في خطاب سياسي، بل كانت القضية التي انتظمت حولها معظم عناصر السردية: المقاومة الاسلامية، التحرير، الردع، توازن الرعب، وحتمية الانتصار. وفي مراحل كثيرة من خطابه، بدا أن إسرائيل ليست فقط دولة يمكن مقاتلتها، بل مشروعًا سينهار حتماً.
وهنا تكمن المفارقة الأقسى في الذكرى.
إسرائيل التي احتلت موقع العدو المركزي في سردية نصرالله هي نفسها التي اغتالته.
 لكن المفارقة لا تتوقف عند الاغتيال.
فالسردية التي جعلت من الصراع مع إسرائيل محورًا لتاريخ طويل، لم تنتهِ بانتهاء صاحبها. بل إن اختبارها الحقيقي يبدأ بعده. ماذا تعني المقاومة الاسلامية، إذا كانت إسرائيل لا تزال قائمة وتحتل ؟ ماذا يعني الردع، إذا وصلت الضربة إلى رأس القيادة؟ وماذا يعني الوعد بانهيار إسرائيل، إذا تحولت المواجهة نفسها إلى عامل أساسي في تدمير أجزاء واسعة من البيئة التي حملت المشروع؟
ليس المقصود هنا إعلان نهاية سردية نصرالله. فهذا حكم يحتاج إلى زمن، ولا تزال نتائج الحرب والصراع مفتوحة على احتمالات كثيرة. كما أن حزب الله لم يختفِ باغتيال أمينه العام، فقد أعاد تنظيم قيادته واستمر في العمل السياسي والعسكري، فيما بقيت له قاعدة شعبية شيعية متماسكة.
لكن شيئًا أساسيًا تغير، لم تعد السردية قادرة على أن تتحدث عن نفسها بالثقة ذاتها التي كانت تتحدث بها في حياة صاحبها.
وهذا ربما هو السؤال الأهم في الذكرى الثانية.
فخطاب نصرالله كان واسعًا ومتنوعًا، لكن إسرائيل بقيت مركز ثقله. أما خطبه الأخرى، الدينية منها والسياسية اليومية، فكان كثير منها مواكبة للأحداث، أو خطاب مناسبات، أو مواقف مرتبطة بتطورات الساعة. لذلك، إذا أردنا البحث عن الإرث الفكري الخاص بالرجل، فإن علينا أن نعود إلى هذه السردية الأساسية، لا إلى مجموع خطبه وتصريحاته.
ومن هنا يصبح من المبكر أيضًا وضع نصرالله في التاريخ الشيعي اللبناني إلى جانب شخصيات كالإمام موسى الصدر أو ناصيف النصار.
موسى الصدر أسس مسارًا مختلفًا: مؤسسات، وتنظيمًا اجتماعيًا، وحضورًا سياسيًا، وصياغة جديدة للمجتمع الشيعي في لبنان. والأهم أنه ساهم في انتقال المرجعية الشيعية اللبنانية من زعامات تقليدية إلى حضور متزايد لرجال الدين في المجال العام. أما ناصيف النصار فهو ينتمي إلى زمن آخر تمامًا، زمن المشيخة العامليّة المسلحة، والحصون والقلاع والتحالفات المحلية والإقليمية.
ومع ذلك، فإن المقارنة بين نصرالله وناصيف النصار تصبح ممكنة من زاوية واحدة، زاوية الرمز الذي يسبق سقوط بنية سياسية وعسكرية كاملة أو يتزامن معه.
كان ناصيف النصار شيخ مشايخ جبل عامل وأحد أبرز زعمائه في القرن الثامن عشر. وفي أيلول 1781، واجه قوات أحمد باشا الجزار في يارون، فقُتل هو وعدد كبير من مقاتليه. وبعد مقتله، واصلت قوات الجزار حملتها على جبل عامل، فدُمّرت حصون ومراكز قوة، وانتهت عمليًا مرحلة من الاستقلال الذاتي الشيعي التي كانت قائمة في الجبل. 
هنا تبدأ المقارنة التي تستحق التأمل.
لم يكن سقوط ناصيف النصار مجرد موت رجل. فقد كان موته جزءًا من انتقال جبل عامل من مرحلة سياسية إلى أخرى. وبعد الهزيمة، تعرضت القلاع والمراكز المحلية للتدمير، وتشتت عدد من المشايخ، فيما انتقل الجبل إلى مرحلة مختلفة تحت سلطة الجزار.
وبعد نحو قرنين ونصف القرن، يأتي اغتيال حسن نصرالله في لحظة مختلفة جذريًا، لكن مع سؤال متشابه: هل يستطيع الرمز أن يبقى بعد سقوط البنية التي حملت مشروعه، أم أن اغتياله يصبح علامة على نهاية مرحلة بأكملها؟
الفارق أن ناصيف النصار كان رأس سلطة محلية مسلحة في جبل عامل، بينما كان نصرالله رأس تنظيم ديني وسياسي وعسكري حديث، عابر للحدود، مرتبط بالجمهورية الإسلامية الايرانية وبصراع إقليمي أوسع. ولذلك لا يجوز تحويل التشابه إلى تطابق.
لكن التاريخ لا يحتاج إلى التطابق كي يستحق المقارنة.
في حالة النصار، جاء الجزار بعد الرمز إلى الجبل، وضرب البنية التي أنتجت قوته. وفي حالة نصرالله، جاء الاغتيال في قلب صراع إقليمي كانت إسرائيل أحد أطرافه الأساسية، ثم دخل لبنان وبيئة حزب الله في مرحلة جديدة تحت ضغط عسكري وسياسي غير مسبوق.
فإذا كانت إسرائيل هي مركز السردية التي صاغها نصرالله، فإن السؤال الذي تفرضه المرحلة الجديدة ليس فقط ماذا فعلت إسرائيل بهذه السردية، بل ماذا فعلت هذه السردية بلبنان، وبالطائفة الشيعية، وبفكرة الدولة، وبالمجتمع الذي حملها ودفع أثمانها طوال عقود؟
لا تبدو الإجابة مكتملة بعد، كما لا يمكن اختزالها في نتيجة عسكرية أو في لحظة اغتيال. فالصراعات الكبرى لا تُقاس فقط بمن يربح معركة أو يخسرها، بل بما تتركه وراءها من تحولات في المجتمعات والدول والخيارات السياسية.
يبدأ التاريخ  أحيانًا من هذه اللحظة تحديدًا: لحظة يصبح فيها الرمز أكبر من صاحبه، وتصبح نتائج السردية أهم من خطب صاحبها.
ومن هنا، ربما لا يكون السؤال اليوم: ماذا بقي من حسن نصرالله؟
بل ماذا سيبقى من العالم الذي بناه حسن نصرالله حول فكرة الصراع مع إسرائيل، بعد كل ما أصاب لبنان والمنطقة، وبعد كل ما تغيّر في البيئة التي احتضنت هذه السردية؟
 

آخر الأخبار