"رمل وزبد": جبران بلغة القرن الحادي والعشرين
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
أنطوان سلامه - يواصل الأديب والشاعر هنري زغيب مشروعه الجبراني الطويل بإصدار جديد يحمل عنوان "رمل وزبد"، يعيد فيه صياغة أحد أبرز كتب جبران خليل جبران التأملية بلغة عربية معاصرة، محافظة على روح النص الأصلي وحكمته العميقة، ومنفتحة في الوقت نفسه على القارئ العربي اليوم،بما يحمله من مفردات العصر الحالي مقرونا بلوحات جبرانية تجذب العين ، على اعتبار أنّ الصورة ملاذ التعبير المرادف للنص الأصلي.
وإذ تنشر الجامعة اللبنانية الأميركية هذا الكتاب مجددا فدلالة على أنّ "أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني" تحاول الربط بين النص الجبراني وبين جيل من الشباب والشابات يتوق الى المعرفة بلغته الحيّة.
يُعدّ "رمل وزبد" من أكثر مؤلفات جبران كثافةً واختزالاً. فهو ليس رواية ولا ديوان شعر بالمعنى التقليدي، بل مجموعة من الخواطر والحكم والتأملات الفلسفية التي تتناول الإنسان والحب والحرية والزمن والمعرفة والعلاقة بين الفرد والعالم. وفي هذا الكتاب تتجلى قدرة جبران على تحويل الفكرة إلى ومضة، والحكمة إلى صورة شعرية، والسؤال الوجودي إلى عبارة قصيرة تبقى في الذاكرة.
من هنا تأتي أهمية عمل هنري زغيب الذي لم يكتفِ بالترجمة الحرفية أو النقل اللغوي، بل سعى إلى إعادة تقديم النص بحيوية لغوية جديدة، تجعل أفكار جبران أكثر قرباً من أجيال لم تعد تتعامل مع اللغة بالذائقة نفسها التي كانت سائدة قبل قرن من الزمن. إنها محاولة لصون التراث الجبراني من جهة، وتجديد حضوره في الثقافة العربية من جهة أخرى.
ويكتسب صدور هذا الكتاب دلالة خاصة في مئوية "رمل وزبد"، إذ يعيد التذكير بأن جبران لا يزال من أكثر الأدباء العرب حضوراً في العالم، وأن أسئلته حول الإنسان والحرية والروح لم تفقد "راهنيتها" برغم مرور الزمن. فالكلمات التي كتبها قبل قرن ما زالت قادرة على مخاطبة القارئ المعاصر، لأنها تنطلق من جوهر التجربة الإنسانية المشتركة.
في "رمل وزبد" بصياغة هنري زغيب، يلتقي صوتان من زمنين مختلفين: جبران الذي كتب حكمته على تخوم الشرق والغرب، وزغيب الذي يسعى إلى إيصال تلك الحكمة إلى قارئ اليوم. وبينهما يبقى الأدب جسراً يعبر الزمن، وتبقى الكلمة الراسخة قادرة على مقاومة النسيان.
ليست إعادة تقديم نص كلاسيكي كبير مهمة سهلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بكتاب مثل "رمل وزبد" لجبران خليل جبران، ذلك النص الذي تحول على مدى قرن تقريباً إلى مرجع في الحكمة الشعرية والتأمل الفلسفي المكثف. فالقارئ لا يواجه مجرد كتاب، بل إرثاً أدبياً راسخاً في الذاكرة العربية والعالمية، وأي محاولة للاقتراب منه تنطوي على مخاطرة مزدوجة فإما الوقوع في أسر النص الأصلي، وإما الابتعاد عنه إلى حد فقدان روحه.
في عمله الجديد، يختار هنري زغيب طريقاً ثالثاً. فهو لا يقدم ترجمة حرفية ،ولا يسعى إلى منافسة جبران في لغته وصوره، بل يمارس ما يمكن وصفه بـ"إعادة الصياغة الإبداعية". إنه يقترب من النص بوصفه كائناً حياً قابلاً للتجدد، لا أثراً جامداً محنطاً في زمنه.
تكمن أهمية هذا الجهد في أن جبران كتب "رمل وزبد" بالإنجليزية، بينما عرفه كثير من القراء العرب من خلال ترجمات متفاوتة المستوى. أما زغيب فيسعى إلى إعادة بناء النص داخل العربية المعاصرة، بلغة سلسة وخاصة، من دون أن يفقد الإيقاع التأملي الذي يميز الحكمة الجبرانية. وهنا يظهر التحدي الحقيقي، كيف يمكن نقل فكرة جبران لا كجملة مترجمة، بل كنبض فكري وشعري؟
ينجح الكتاب في كثير من المواضع في تحقيق هذا التوازن. فالصياغة الجديدة لا تبدو شرحاً للنص الأصلي ولا تبسيطاً له، بل قراءة أدبية له من داخل اللغة العربية. ولذلك يشعر القارئ أحياناً أنه يقرأ جبران بعين هنري زغيب، أو يقرأ زغيب وهو يحاور جبران عبر الزمن.
من الناحية النقدية، يطرح الكتاب سؤالاً مهماً حول مفهوم الأمانة للنص. فهل الأمانة تعني الالتزام الحرفي بالكلمات، أم الحفاظ على الأثر الجمالي والفكري الذي تتركه؟ يبدو أن زغيب ينحاز إلى الخيار الثاني. إنه يراهن على أمانة الروح أكثر من أمانة العبارة، وعلى نقل المناخ الفكري للنص أكثر من نقل بنيته اللغوية حرفياً.
ولعل أبرز ما يميز الكتاب أنه يعيد فتح باب القراءة أمام جيل جديد من القراء. فالنصوص الكلاسيكية لا تعيش بفضل مكانتها التاريخية فقط، بل بقدرتها على أن تُقرأ من جديد في كل عصر. ومن هذه الزاوية، لا تبدو صياغة هنري زغيب مجرد عمل لغوي، بل مساهمة ثقافية في إبقاء جبران حاضراً في الوعي العربي المعاصر.
في النهاية، لا يهدف "رمل وزبد" بصياغة هنري زغيب إلى استبدال جبران أو إعادة تفسيره نهائياً، بل إلى تجديد اللقاء معه. إنه كتاب يذكرنا بأن الأدب المبدع لا ينتمي إلى زمن واحد، وأن النصوص الكبرى تستطيع أن تولد مرات عديدة كلما وجدت قارئاً جديداً، أو كاتباً يمتلك الشغف الكافي لإعادة اكتشافها.
بهذا المعنى، يقدم هنري زغيب أكثر من إعادة صياغة لكتاب شهير، إنه يقدم حواراً أدبياً بين جيلين من الكتّاب، وبين لغتين، وبين قرنين من الزمن. ولعلّ أبرز ما يقدمه هنري زغيب في صياغته "رمل وزبد" أنّه يُعيد طرح إشكالية الترجمة في هذا الزمن الالكتروني الذي يكتفي بترجمة جامدة وثقيلة و"آليّة" في حين أنّ زغيب يخطف الترجمة من صنميتها الالكترونية ويُعيدها الى الفضاء الإنساني.
وفي هذا الفضاء يحتدم النقاش عن دور الترجمة الالكترونية الحديثة خارج إطار " الغوغلة" أو الذكاء الاصطناعي.