رجع «أورفيوس»... والتفت إلينا
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
جوزيف أبي ضاهر- إهدأ أيها الزمن. ما زال جسدي ينبض. ألا تسمع.
البارحة كنّا سويّة في أعراس الفرح.
بيروت «ست الدنيا» قناديلها كانت مشتعلة ، والليل ليس بأقل أهمية من النهارات التي تحسده عليها عيون العالم شرقًا وغربًا.
في هذا الزمن ـ لا أقول ذلك الزمن ـ ما زلت أعيش في دفء الذاكرة، أجمع فيها الحب كلّه، لرفاقٍ وأحبّةٍ... لعشقٍ، يحكي نبض القلب، يحكي عنهم، يرسم بريق لهفتهم.
الرسام ـ الفنان في كلّ رهافة تدهش ـ بل الأخ الذي ما ناديته مرّة إلاّ: «خيّي ريمون». مرّ في منتصف النهار بي، حاملاً ظلال ذاكرةٍ رُسمت على ورق أبيض، كما قلبه. جمع فيها زمنًا عشناه سوية في مناخ ـ ست الدنيا ـ بيروت، وقال:
ـ هذا أنا وأنت، وذاكرتنا التي ما زال نبضها يُسمع عند كل من يحب أن يسمع الفرح يحكي.
ضممت الذاكرة التي صارت على بياض ورق إلى صدري، قبل أن أسمح لعيني تقبيل كل لهفة فيها، قبل كل كلمة.
العنوان؟ اختصر ظلّ «أورفيوس» الذي عُرف به. وأخبر الحياة ـ أو ذكّرها ـ بما رآه قبل أن يلتفت.
ـ إلى من؟
هو يعرف. وله الحق وحده أن يحتفظ «بالضمير» الغائب عن نظر الناس.
حدّد الكتاب بأنه: سيرة ذاتية في زمن النجاحات والإبهار الراقي مرسومًا بأناقة لافتة مختصرة، تُلمح ولا تقترب مما لا يحق لها أن تقترب منه.
أعاد السنوات إلى الأمكنة الجميلة المبهرة. تحركت الوجوه، الابتسامات، الأفكار، الحكايا وكأنها كلّها الحنين الذي لا يريده أن يرحل، رسمه على بياض الورق لزمن سيصل ويبارك، ويردّد:
«الأيام التي عشنا فيها، من لم يعرفها... لم يعش مثلنا».
بدقة توازي التوثيق، وصف الكلام الجوهر، وخبّر، وأرّخ كمن يريد أن يُرجع الماضي ليعرف الحاضر ملامحًا من سيرة مدينة، ما عرفت فيها الشمس غروبًا.
بدقة وبلباقة، وبكلام مقتضب، أرّخ ريمون شويتي الفنان لمرحلةٍ لا يستطيع غيره أن يؤرّخها، إذا لم يكن «محركًا» وساهرًا على نبض الفن التشكيلي الراقي، في «بيروتنا نحن».
أعترف صادقًا: لم أستطع أن أفلش لهفتي كلّها على الورقة، ففي الخبايا عطر كثير، والعطر لا يترك لغيره مكانه بسهولة.
قرأت الكتاب تهجئة. ومرّات كثيرة، توقفت لأرى ما ندهتني ذاكرتي لرؤيته، للمسه بحنين لم يفارقني، ولو أنا الآن أعيش في زمن لا يشبهه بشيء.
ستمائة صفحة كأنها صفحة واحدة على نقاء اللهفة، كتبتها اللياقة التي عُرف بها كاتبها، وترك لعيني زميلة عزيزة: كلود أبو شقرا حق منع وصول الغبار إليها، فمسحتها بضمة بيضاء من كفها وقلبها.
رجعت شمس أيام عبرت. الكلام الذي حملته أوراق بيضاء قالت لنا:
عودوا إلى زمن، لن تعرف مثله غير: «بيروت الحبيبة» مدينة الجمال والأناقة والفنون والفوضى الحلوة: في مقاهيها وسهر الليل مع أحبّة...
آه لو نستطيع أن نقبلها كلها، ونحسد عليها.
ريمون، ألف شكر، أحييت زمنّا كان بدأ في الغياب عنا... وأحييتنا.
----------------
الكتاب: «ما رآه أورفيوس قبل أن يلتفت» للفنان ريمون شويتي. 600 صفحة قطع كبير ـ صدر عن دار نلسن للنشر ـ بيروت. لوحة الغلاف بريشة الفنان الكاتب.