Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية

جون الأشقر يضحكنا على مخاوفنا: فينا نحكي أم فينا نسأل؟

جو الأشقر
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

المحرر الثقافي- ليس غريبًا أن تدعو رابطة قدامى طلاب مدرسة الجمهور، برئاسة المحامي نديم عبود، إلى لقاء يجمع أبناء المدرسة حول عرض "فينا نحكي" للكوميدي جون الأشقر. فصاحب العرض من خريجي هذه المدرسة العريقة، التي تركت أثرًا في أجيال من اللبنانيين، كما أن اللقاء يستعيد، بطريقة غير مباشرة، تقليدًا من التعبير المسرحي الساخر ارتبط بمجموعة من طلابها وكشّافها خلال الحرب اللبنانية.
في الأشرفية، وفي زمن كانت فيه الحرب تضيق على اللبنانيين وتدفعهم إلى الاحتماء بجماعاتهم، اختارت مجموعة من الشباب أن تواجه الواقع بالسخرية والكوميديا والأغنية الناقدة. ضمّت هذه المجموعة، من بين آخرين، جو رجي، الذي أصبح وزيرًا، والناشط السياسي سامي نادر، وجورج نصر، وسيرج جيلاليان، وروني خليفة، إلى جانب شباب آخرين كان نديم عبود من بينهم وراء الكواليس. لم تكن السخرية مجرّد وسيلة للترفيه، بل محاولة لاستعادة حرية التعبير في زمن الخوف، والبحث عن مسافة نقدية وسبل رفع المعنويات.
يبدو جون الأشقر، في عرضه، كأنه يستكمل هذا الخط، وإن انتقل به من حرب سابقة إلى حروب أخرى، ومن المواجهة المباشرة مع واقع الحرب إلى مساءلة ما خلّفته في الوعي والعلاقات والهواجس. يبدأ من بيته، ومن بيئته المسيحية تحديدًا، لا ليحتمي بها من النقد، بل ليجعلها موضوعًا للسخرية والمساءلة. هنا تكمن إحدى نقاط قوة العرض، أن يتناول المرء بيئته من الداخل، وأن يعلن انتماءه إليها، من دون أن يعتبر هذا الانتماء حصانة لها من النقد.
يمتلك الأشقر نضجًا واضحًا في الحركة المسرحية، وخبرة في إدارة الإيقاع والتفاعل مع الجمهور. يعرف كيف يبني النكتة، وكيف يترك لها وقتها، وكيف ينتقل من حادثة منزلية بسيطة إلى سخرية تتجاوز حدود البيت. فالعلاقة مع الأب والأم، والتفاصيل اليومية مع الزوجة، ليست مجرد مادة جاهزة للضحك، إنها مدخل إلى عالم اجتماعي وثقافي تتوارث فيه الأجيال عاداتها وأحكامها ومخاوفها، أحيانًا من دون أن تتوقف طويلًا عند معناها.
ولا يتردد الأشقر في إشهار انتمائه المسيحي، لكنه لا يكتفي باستعراض خصوصية هذه البيئة أو تدليل جمهورها بما يعرفه ويألفه. إنه يستخرج من مفرداتها وتعابيرها ومسلّماتها مادة للسخرية، ويقترب من هواجسها الطائفية ومخاوفها السياسية، وينتقد بعض ملامحها في تجربة "القوات اللبنانية"، كما يتناول بعض رجال الدين المسيحيين. أما حزب الله، فيلامسه بحذر أكبر، في تفاوت لافت في مساحة النقد بين البيئات السياسية والطائفية. وقد يكون هذا التفاوت انعكاسًا لاختلاف حدود التعبير وكلفته بين بيئة وأخرى، من دون أن يكفي وحده للجزم بأسباب خياراته المسرحية.
لكن ما يبدو عفويًا على الخشبة ليس بالضرورة وليد الارتجال. فالنص متماسك ومشغول، وتُستخدم النكتة فيه لتفكيك تعابير مألوفة وإعادة طرحها على أصحابها بصورة تجعلهم يضحكون، وربما يكتشفون، وسط الضحك، ما لم يكونوا مستعدين للاعتراف به مباشرة. فالكوميديا هنا لا تكتفي بتسجيل المفارقات، بل تقترب من الأسئلة الكبرى، ماذا سيرث الأبناء من قيم،تزامنا مع تسويق جون الأشقر اقتناعه أنّ التاريخ اللبناني توقف العام ١٩٤٣.
وفي النهاية، يعود العرض إلى مبدأ تربوي وفكري يمكن ربطه بروح مدرسة الجمهور التي نشأ فيها: "مش مهم نلاقي الأجوبة، الأهم نلاقي الأسئلة". ليست قيمة هذه العبارة في أنها تقدم خلاصة جاهزة، بل في أنها ترفض إغلاق النقاش. 
تخرج من "فينا نحكي" وأنت تضحك، لكن الضحك لا ينتهي عند باب المسرح، أو في ساحة ساسين. ثمة سؤال يتسلل خلفه، ويتعلق بما نفعله بتاريخنا، وبالطريقة التي ننقل بها مخاوفنا إلى أبنائنا، وبقدرتنا على النظر إلى أنفسنا من دون أقنعة.
ربما تكون هذه هي وظيفة الكوميديا حين تتجاوز التسلية، وهذا ما فعله بامتياز جون الأشقر فمنحنا ساعة من شجاعة الضحك على ما نخشى قوله بجدية.

كلام الصور: جون الأشقر على الخشبة-الأشقر مع المحامي نديم عبود

آخر الأخبار