ارتفاع غير مسبوق في ميزانية الدفاع الإسرائيلية يكشف انتقالًا إلى "التأهب الدائم"، مقابل خصوم يحافظون على موارد محدودة.
الجمعة ٠٥ ديسمبر ٢٠٢٥
يشكّل الإعلان عن رفع ميزانية الدفاع الإسرائيلية لعام 2026 إلى 112 مليار شيقل (نحو 34.6 مليار دولار)، مقارنة بمسودة سابقة بلغت 90 مليار شيقل، محطةً أساسية في مسار الحرب الطويلة التي تخوضها إسرائيل على جبهات غزة ولبنان وسوريا إضافة الى اليمن وايران. فارتفاع الإنفاق بنسبة كبيرة كهذه ليس مجرد إجراء مالي، بل هو تحوّل استراتيجي يعكس تغيّر طبيعة الصراع في المنطقة، وواقع التهديدات التي باتت متعددة الاتجاهات. وزارة الدفاع، التي أكدت أن الحرب كلّفت إسرائيل 31 مليار دولار في العام 2024 وحده، تربط مباشرةً بين الحاجة إلى ميزانية أكبر وبين استمرارية المواجهة مع حركة حماس في غزة وحزب الله في لبنان، فيما تشهد جبهات سوريا والبحر الأحمر تصعيدات متقطعة تضيف أعباءً أمنية وعسكرية جديدة. من الواضح أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تتجه نحو عقيدة "التأهب الدائم" بدلًا من عقيدة "الردع" التقليدية. هذا التحول يفرض: زيادة عديد القوات النظامية والاحتياط وتمويل المنظومات الصاروخية المتعددة الطبقات مثل القبة الحديدية ومقلاع داود وحيتس وتعزيز القدرات الهجومية في غزة وجنوب لبنان وتطوير بنى لوجستية واستخبارية تُمكّن من القتال لفترات أطول، وقد أكد وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن هدفه هو "تقليل العبء عن جنود الاحتياط" الذين شكلوا العمود الفقري للعمليات الأخيرة، وهذا يكشف حجم الضغط الشعبي الداخلي الذي تسببت به الحرب الطويلة. في المقابل، ورغم أن ميزانية حزب الله لا تُقارن بالميزانيات الإسرائيلية، إلا أن الحزب بنى على مدى سنوات نموذجًا غير متماثل مكّنَه من فرض كلفة عالية على إسرائيل بتكاليف أقل بكثير. وكانت الاستراتيجية القائمة في حزب الله تتمحور حول الصواريخ الدقيقة وطويلة المدى وقد غابت فعاليتها في حرب المساندة، وتكامل بين العمل العسكري والإعلامي والنفسي وقد تضعضع،و الاستفادة من التضاريس والسكان في جنوب لبنان وهذه الميزة ضربتها التكنولوجيا العسكرية الاسرائيلية. وبينما ترفع إسرائيل ميزانيتها عشرات المليارات، يعتمد الحزب على منظومة أقل كلفة لكنها تعرضت لضربات ميدانية قاسية وتململ في بيئته وحصار محلي وخارجي وبات سلاحه مطروحا للنزع لبنانيا وعربيا ودوليا. حركة حماس، التي استنزفت إسرائيل ماليًا وبشريًا منذ تشرين الأول 2023، تعتمد أيضًا على استراتيجية"الحرب غير المتماثلة". وإذا كانت خسائرها كبيرة، إلا أنّ تجارب ما بعد حروب غزة السابقة تشير إلى قدرة الحركة على الحفاظ على حضور سياسي في الضفة والداخل الفلسطيني مع أمل بإعادة بناء جهازها العسكري والأمني في غزة. وبالفعل، رغم الاتفاقات المؤقتة لوقف إطلاق النار، لم يُعلن أي طرف نهاية فعلية للصراع، ما يفسّر توجه إسرائيل المالي والعسكري نحو مسار طويل الأجل. تهمّ التحوّلات في ميزانية الدفاع الإسرائيلية دول الطوق أيضًا—لبنان، سوريا، الأردن، ومصر—لكل منها حسابات خاصة منها: في لبنان،استنزاف يومي على الحدود، واقتصاد منهار يحد من قدرة الدولة على التأثير. في الأردن،قلق من تدهور الوضع في الضفة وغزة، وتنسيق أمني مستمر مع إسرائيل رغم التوتر السياسي. وتكمن مصلحة مصرفي تثبيت وقف النار بغزة،ومراقبة حذرة لأي تغيّر في العقيدة العسكرية الإسرائيلية. وتتأرجح سوريا بين جيش مفكك وانهيار في الداخل وبين الضغط الاسرائيلي في الجولان ومناطق أخرى. باختصار، يرسل ارتفاع الميزانية العسكرية الإسرائيلية رسالة واضحة لهذه الدول والمنظمات الاسلامية الطابع أنّ المنطقة تتجه نحو استمرارية الصراع لا نهايته، وأن الحرب في غزة وجنوب لبنان ليست حدثًا عابرًا بل مرحلة انتقالية في ميزان القوى. على الرغم من ارتفاع الميزانية بنسبة هائلة—47 مليار شيقل فوق مستوى 2023—إلا أن السؤال الأساسي يبقى: هل يَعني المزيد من التمويل الاسرائيلي مزيدًا من الأمن؟ هكذا يقف الشرق الأوسط أمام معادلة جديدة: إسرائيل ترفع الإنفاق إلى حدود قياسية، فيما خصومها يرفعون مستوى التلويح بالتهديد في ظل أزمات داخلية عميقة.
بيار روفايل من الصحافيين الذين تركوا، في تاريخ الصحافة اللبنانية ، بصمة خاصة جداً.
من الأرض المحروقة إلى السيطرة التكنولوجية، إسرائيل تختبر نموذجًا جديدًا للاحتلال، فيما الداخل اللبناني غارق في انقساماته.
بين غموض الحرب وعجز الدولة واستنزاف المجتمع واندفاعات حزب الله، يتحول النزوح الجماعي إلى قنبلة اجتماعية موقوتة تهدد الاستقرار اللبناني.
من القرار 1701 إلى تعثّر الوساطات، يتكرّس موقع لبنان كورقة تفاوض إقليمية في صراع تتجاوز حدوده الجغرافيا.
تُمسك ايران بالملف اللبناني حربا وسلما مع اتجاهها الى ضمه الى ملف المفاوضات مع الولايات المتحدة الاميركية.
تتكاثر الأسئلة حول الصاروخ الذي اخترق الأجواء فوق كسروان: هل كان استهدافًا عشوائيًا أم رسالة استراتيجية مرتبطة بتوازنات الحرب الإقليمية؟
فتح اعلان الرئيس دونالد ترامب التوصل الى تسوية مع ايران باب الاجتهادات والتوقعات.
بين قرار الحرب وغياب الرؤية، ينزلق لبنان إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز حدوده، فيما الدولة تكتفي بإدارة التداعيات بدل صناعة المخارج.
قليلٌ يعرف أنّ الشاعر الفنزويلّي الكبير لويس غارسيا مورالس من لبنان.
مع تصاعد المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، يعود لبنان إلى قلب الصراعات الإقليمية، في مشهد يعيد إنتاج تاريخه كجبهة مفتوحة لحروب الآخرين، لكن بكلفة إنسانية كبيرة.