لا يمكن التعامل مع تصريحات الرئيس مسعود بيزشكيان بوصفها إعلانًا لانفراج وشيك في العلاقات الأميركية–الإيرانية، لكنها تعكس انتقالًا إلى مرحلة إدارة باردة للصراع.
الثلاثاء ٠٣ فبراير ٢٠٢٦
المحرر السياسي- شكّل تصريح الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان بشأن ضرورة مواصلة المحادثات مع الولايات المتحدة، ضمن شروط "عادلة ومنصفة" وخالية من التهديدات، محطة مهمة في التحولات البطيئة في الخطاب الإيراني. تتخطى أهمية التصريح في مضمونه التفاوضي الى توقيته في اللحظة الإقليمية المشحونة، حيث تتقاطع الضغوط العسكرية والاقتصادية مع محاولات احتواء التصعيد في الشرق الأوسط. ويطرح السؤال، كيف تُعاد إدارة الأوراق الإقليمية الإيرانية، وفي مقدّمها حزب الله، في لحظة يُعاد فيها فتح باب واشنطن بحذر؟ خطاب جديد أم إعادة صياغة للقديم؟ تميّز الخطاب الإيراني، منذ عقود، تجاه الولايات المتحدة بالتشدد الأيديولوجي والتعبئة . إلا أن لغة بيزشكيان تبدو أقل صدامية تقترب من أجندة المصالح الوطنية والانفتاح التفاوضي. لا يعني هذا التحوّل بالضرورة تبدّلًا في الاستراتيجية، بقدر ما يعكس تعديلًا في أدوات التعبيرعنها. من هنا، يصبح الشرط الايرانيفي "غياب التهديدات والتوقعات غير المعقولة" رسالة مزدوجة تحمل استعدادا للحوار، مقابل رفض لمنطق الإملاء. وتعكس الإشارة إلى "مطالب الدول الإقليمية الصديقة" إدراكًا إيرانيًا متزايدًا بأن مسار التفاوض لم يعد ثنائيًا صرفًا، بل يرتبط بشبكة توازنات إقليمية أوسع بما فيها التفكير بالأبواب المفتوحة مع السعودية وجيرانها الخليجيين. التفاوض كإدارة صراع لا كحل نهائي يُظهر تاريخ العلاقات الأميركية–الإيرانية أن التفاوض غالبًا ما كان أداة لإدارة الصراع لا لإنهائه. فالملف النووي، على أهميته، لم يكن يومًا منفصلًا عن ملفات النفوذ الإقليمي، وأمن إسرائيل، ودور الأذرع. من هذا المنظور، لا يمكن قراءة تصريح بيزشكيان بوصفه مدخلًا لتسوية شاملة، بل كجزء من مسار تهدئة محسوبة تهدف إلى إعادة ضبط الاشتباك. هنا، يبرز التناقض البنيوي في أي تفاوض محتمل: الولايات المتحدة تسعى إلى خفض التوتر من دون الاعتراف الكامل بدور إيران الإقليمي، فيما تسعى طهران إلى تثبيت هذا الدور مقابل تنازلات محدودة. وفي قلب هذا التناقض، تتحرك أوراق النفوذ الإقليمي. حزب الله كرصيد استراتيجي مؤجَّل يمثّل حزب الله أحد أبرز هذه الأوراق. فهو ليس مجرد حليف عسكري لإيران، بل عنصر مركزي في منظومة الردع الإقليمية التي بنتها طهران خلال العقود الماضية. إلا أن اللافت في المرحلة الراهنة هو اعتماد الحزب سياسة ضبط محسوب للتصعيد ضدّ اسرائيل، بما يتلاءم مع منطق الانتظار الاستراتيجي ويملأ الوقت الثقيل بخلق معارك جانبية في الداخل اللبناني. هذا السلوك لا يمكن فصله عن الحسابات الإيرانية. فحزب الله، بما يمتلكه عسكريا وأمنيا وسياسيا في لبنان ، يشكّل رصيدًا لا يُستهلك في لحظة تفاوضية عابرة. وبالتالي، يبدو أن طهران تفضّل إبقاءه في "غرفة الانتظار" فاعلاً إلى أن تتضح ملامح المسار الأميركي–الإيراني. بين الردع والمقايضة يثير هذا الواقع سؤالًا حساسًا: هل يُستخدم حزب الله كورقة تفاوضية قابلة للمقايضة؟ الإجابة الأكثر واقعية تميل إلى النفي الجزئي. فالتجارب السابقة تشير إلى أن إيران نادرًا ما قدّمت تنازلات بنيوية تتصل بحلفائها الأساسيين كورقة قوية بيدها في ادارة حروبها بالواسطة. إلا أن ذلك لا يمنع استخدام مستوى نشاط هؤلاء الحلفاء كأداة غير مباشرة لإيصال رسائل تفاوضية. بعبارة أخرى، لا يجري التفاوض على وجود حزب الله، بل على حدود فعاليته وسلوكه في لحظة إقليمية معيّنة. وهذا ما يفسّر التوازن الدقيق بين إبقاء القدرة الردعية قائمة، وتجنّب التصعيد الواسع الذي قد يعرقل أي مسار تفاوضي ناشئ. واشنطن وحدود البراغماتية من جهتها، تتعامل الولايات المتحدة مع الملف الإيراني من منظور براغماتي بحت. فهي تسعى إلى منع امتلاك إيران قدرة نووية عسكرية، وضمان أمن إسرائيل، وتقليص احتمالات الحرب الإقليمية. في هذا السياق، يصبح ضبط سلوك حزب الله أولوية أميركية، لكن من دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة معه. هذا التوازن يفسّر القبول الأميركي الضمني بسياسات "خفض التصعيد" بدل الحسم، ما دام الاستقرار النسبي متحققًا. وبالتالي، يتحوّل حزب الله إلى عنصر في معادلة الردع المتبادل، أكثر منه هدفًا مباشرًا للتفكيك أو بلغة قادة لبنانيين يشيرون الى "احتوائه". لبنان واللا قرار في خضم هذه المعادلات، يبقى لبنان الحلقة الأضعف. فالتطورات المرتبطة بالتفاوض الأميركي–الإيراني تنعكس مباشرة على ساحته. تبدو الدولة اللبنانية، الغارقة في أزماتها البنيوية، غائبة عن طاولة النقاش، فيما يُختزل حضورها بوصفها ساحة اختبار لتوازنات خارجية. هذا الواقع يجعل من مستقبل الاستقرار اللبناني رهينة لتفاهمات لا يشارك في بلورتها، بل يكتفي بتلقّي نتائجها. حزب الله ينتظر،هذا صحيح، ولبنان ينتظر معه.
بين إرث الحرب العالمية الأولى وتحولات الحاضر، يقف لبنان عند مفترق تاريخي حاد، تتنازعه قوى إقليمية ودولية، فيما تتآكل صيغته الداخلية.
اجتماع مرتقب في وزارة الخارجية الأميركية يطلق مفاوضات لبنانية–إسرائيلية وسط تباين حاد في الأهداف.
من واشنطن إلى العواصم الكبرى، تعود مفاوضات “مستوى السفراء” كأداة مرنة لإدارة النزاعات الحساسة، فهل تفتح الباب أمام اختراقات هادئة في ملفات معقدة كالعلاقة بين لبنان وإسرائيل؟
بين مناورات الخداع الإسرائيلية وارتباك محور الممانعة، تكشف ضربة بيروت خللاً عميقاً في قراءة التحولات الإقليمية وانفصالاً متزايداً بين الميدان ومراكز القرار.
بين تصعيد مضبوط ورسائل نارية، هل تتحوّل الجبهة الجنوبية إلى ورقة تفاوض في مفاوضات إسلام آباد، أم إلى ساحة اشتباك مفتوحة على كل الاحتمالات؟
لم تظهر انتقادات لقبول ايران بالتفاوض في البيئة التي "خونت" رئيسي الجمهورية والحكومة في طرحهما التفاوض مع اسرائيل.
بين تصاعد العمليات العسكرية وتراجع الدور الرسمي، يدخل لبنان مرحلة خطرة وسط غموض يلفّ مآلات المواجهة.
توحي المواقف الأميركية والايرانية تصعيدا في الميدان العسكري سينعكس على الجبهة اللبنانية.
بين فصل الجبهات وتضارب الرسائل الدولية، تبدو الجبهة اللبنانية مفتوحة على حرب طويلة تُدار بمنطق التدمير أكثر من التسوية.
بعد تجربة الترسيم البحري، يدخل لبنان مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد التفاوض خيارًا متاحًا بسهولة، بل نتيجة تُفرض بعد حرب تغيّر موازين القوى.