الأزمة الاقتصادية: معالجة تقنية في بلد مفتوح على الحرب
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
ليبانون تابلويد- لم يعد التحذير من الضغوط المعيشية في لبنان مجرد توصيف اقتصادي ، ولا مجرد ملف يمكن تركه للجنة المؤشر كي تبحث في الحد الأدنى للأجور أو بدل النقل. فحين يصبح راتب الموظف عاجزاً عن مواكبة كلفة النقل، وحين تتحول الزيادة على الأجر إلى سباق مع ارتفاع أسعار المحروقات والسلع، يصبح السؤال أكبر من تعديل رقم هنا أو تعويض هناك، فهل يقترب لبنان من انفجار اجتماعي يمكن للمعالجات الاقتصادية التقليدية احتواؤه؟
في هذا السياق، يكتسب لقاء رئيس الجمهورية جوزاف عون برئيس مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بشارة الأسمر دلالته. فالأسمر طالب بتشكيل خلية اقتصادية وزارية لمتابعة الضغوط المعيشية، وبالإسراع في انعقاد لجنة المؤشر وزيادة بدل النقل، فيما أشار إلى أن الرئيس عون أبدى دعمه لهذه المطالب، بانتظار عودة رئيس الحكومة نواف سلام لتشكيل الخلية والبدء بإجراءات عملية.
هذه الخطوات مطلوبة، بل ربما باتت ملحّة. لكن المشكلة أن الاقتصاد اللبناني لم يعد يعاني من مشكلة تقنية فقط.
فيمكن للحكومة أن ترفع بدل النقل، وأن تعيد النظر في الحد الأدنى للأجور، وأن تزيد التعويضات العائلية، وأن تحاول حماية القدرة الشرائية. ويمكن لخلية اقتصادية أن تتابع يومياً أسعار المحروقات والأجور والأسعار والضمان الاجتماعي. لكن ماذا يحدث إذا عاد التصعيد العسكري، أو توسعت الحرب، أو تعطلت حركة التجارة والسياحة والاستثمار؟
هنا يصبح السؤال أكثر صعوبة،هل يمكن للتقنيات الاقتصادية أن تعالج اقتصاداً تتدخل في مساره عوامل لا يملك القرار الاقتصادي السيطرة عليها؟
الأرقام الأخيرة تعطي جزءاً من الجواب. فالبنك الدولي أشار في آب إلى أن الاقتصاد اللبناني كان قد بدأ يستعيد شيئاً من نشاطه في 2025، قبل أن تقلب عودة الصراع هذا المسار، متوقعاً انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المئة خلال 2026. كما حذّر من ارتفاع التضخم إلى 17.5 في المئة، ومن استمرار الضغوط على المالية العامة، فيما لا يزال الدين العام غير مستدام والقطاع المصرفي يعاني من ضعف عميق.
أي أن الحرب لا تأتي فوق الأزمة الاقتصادية فحسب، إنها تعيد إنتاج الأزمة وتوسّعها.
السائح الذي لا يأتي، والمغترب الذي يؤجل الاستثمار، والمؤسسة التي تؤجل التوسع، والمواطن الذي يخشى على منزله أو عمله، كلها عناصر لا تستطيع لجنة المؤشر معالجتها. وحتى زيادة بدل النقل، إذا ارتفع سعر البنزين مجدداً، قد تتحول إلى إجراء يلحق بالأسعار بدلاً من أن يسبقها.
وهذا ما يجعل البحث الجاري في بدل النقل ذا أهمية، ولكن أيضاً ذا حدود واضحة. فقد ناقشت لجنة المؤشر في أيلول آلية لربط بدل النقل بسعر المحروقات، بدلاً من إبقائه رقماً ثابتاً، مع استمرار البحث في الحد الأدنى للأجور والتعويضات العائلية.
المشكلة إذن ليست في الخلية الاقتصادية، بل في الاعتقاد بأنها تستطيع وحدها إنقاذ الاقتصاد.
لبنان يحتاج إلى سياسة اقتصادية واجتماعية عاجلة تخفف الضغط عن الناس، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى بيئة سياسية وأمنية تسمح لهذه السياسة بأن تنجح. لا يمكن فصل الإصلاح الاقتصادي عن الاستقرار، ولا يمكن فصل الاستقرار عن قدرة الدولة على حماية حدودها ومؤسساتها واقتصادها، ولا يمكن بناء ثقة استثمارية وسياحية ومصرفية في بلد يبقى احتمال الحرب فيه جزءاً من الحساب الاقتصادي اليومي.
ومن هنا تصبح مسألة قرار الحرب والسلم مسألة اقتصادية بقدر ما هي مسألة سيادية وسياسية.
والتحذير من انفجار اجتماعي لا ينبغي أن يُفهم فقط باعتباره احتمال نزول الناس إلى الشارع. فالانفجار الاجتماعي قد يبدأ بصورة أكثر هدوءاً: مزيد من الهجرة، مزيد من إقفال المؤسسات، تراجع التعليم، تراجع الاستشفاء، توسع الاقتصاد غير الرسمي، فقدان الثقة بالدولة، واتساع الفجوة بين من يملكون القدرة على حماية أنفسهم اقتصادياً ومن لا يملكونها.
عندها لا تعود المشكلة مجرد "غلاء معيشة" بل تصبح مشكلة عقد اجتماعي يتآكل، ودولة فاقدة القدرة على حسم المشكلة الأساس، من يقرر الحرب والسلم.