Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
المرصد

الملك الأردني في مؤتمر دعم الجيش: لبنان يدخل الخريطة الأمنية الجديدة

برز حضور العاهل الأردني في مؤتمر دعم الجيش اللبناني في مسار العقبة، فماذا يعني حضوره في المشهد الاقليمي؟
عون وماكرون وعبدالله
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

المحرر السياسي- لم يكن ظهور العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس جوزاف عون في باريس مجرد إضافة عربية إلى مؤتمر دولي مخصص لدعم الجيش اللبناني. فالمشهد نفسه يحمل دلالة تتجاوز لبنان، ويفتح نافذة على موقع الأردن الجديد في معادلة أمنية إقليمية تتقاطع فيها سوريا وإسرائيل والولايات المتحدة ولبنان.
في 17 أيلول، اجتمع الملك عبدالله وماكرون وعون في باريس، وافتتحوا معاً اجتماعاً عسكرياً رفيع المستوى في إطار "مسار العقبة"، للبحث في دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته وتمكين الدولة اللبنانية من بسط سيادتها وحصر السلاح. ولم يكن اختيار الأردن عرضياً، فالمبادرة نفسها تحمل اسم "مسار العقبة"، الذي أطلقه الملك عبدالله عام 2015 لتعزيز التعاون الأمني بين دول المنطقة وشركائها الدوليين. 
لكن أهمية المشاركة الأردنية تتضح أكثر إذا أُخذت في الاعتبار حركة الاتصالات التي سبقت اجتماع باريس. ففي نهاية آب، زار قائد الجيش العماد رودولف هيكل عمّان، والتقى الملك عبدالله، الذي أعلن دعمه للجيش اللبناني وللمؤتمر الدولي المزمع عقده في باريس، فيما عقد هيكل لقاءات مع قيادة الجيش الأردني للبحث في التعاون والتنسيق بين المؤسستين العسكريتين. 
بمعنى آخر، لم يبدأ الدور الأردني في باريس. باريس جاءت لتظهر دوراً كان قد بدأ يتشكل قبلها.
من لبنان إلى الجنوب السوري
الأردن اليوم ليس مجرد دولة مجاورة لسوريا. موقعه الجغرافي جعله طرفاً لا يمكن تجاهله في مستقبل الجنوب السوري، من درعا إلى السويداء وصولاً إلى خطوط الجولان.
والأهم أن عمّان تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى إحدى ساحات الاتصالات المتعلقة بالعلاقة بين سوريا وإسرائيل. ففي آب، استضاف الأردن محادثات سورية ـ إسرائيلية بوساطة أميركية هدفت إلى خفض التصعيد وإعادة إحياء مفاوضات حول ترتيبات أمنية في الجنوب السوري. وقالت مصادر إن البحث تناول وقف العمليات الإسرائيلية وإعادة إحياء مسار تفاوضي يمكن أن يقود إلى اتفاق أمني أوسع. 
وذهبت تقارير أخرى إلى أن عمّان استضافت لقاءات أكثر حساسية بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين، في إطار البحث عن آلية لخفض التوتر وترتيبات تتصل بالانتشار الإسرائيلي قرب خط الفصل وبمستقبل الجنوب السوري. وتبقى تفاصيل هذه الاتصالات، ولا سيما ما يوصف منها بأنه "سري"، خاضعة لما تنقله مصادر صحافية ودبلوماسية، ولا ينبغي التعامل معها كلها باعتبارها اتفاقات مكتملة. 
لكن مجرد اختيار عمّان مكاناً لهذه الاتصالات يكشف شيئاً مهماً، فالأردن يملك في هذه اللحظة موقعاً لا توفره عواصم عربية كثيرة. فهو على تماس مباشر مع الجنوب السوري، مرتبط بمعاهدة سلام مع إسرائيل، وحليف وثيق للولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه يستطيع التواصل مع دمشق ومع الفلسطينيين أيضا.
وهذه المعادلة تمنحه وظيفة سياسية وأمنية تتجاوز حجمه الجغرافي.
الأردن والولايات المتحدة: من الجغرافيا إلى الوظيفة
يتزامن ذلك مع ارتفاع القيمة العسكرية للأردن بالنسبة إلى الولايات المتحدة في ظل الحرب مع إيران. فواشنطن تستخدم منشآت عسكرية متعددة في المملكة، وتُعد قاعدة موفق السلطي إحدى النقاط المهمة في عملياتها الإقليمية. وقد جعل هذا الارتباط الأردن نفسه هدفاً لهجمات إيرانية متكررة خلال الحرب، فيما واصلت عمّان تأكيد شراكتها الأمنية مع واشنطن. 
وهنا يصبح الأردن جزءاً من شبكة أوسع، فالولايات المتحدة في الخلفية الاستراتيجية، إسرائيل في الجنوب، سوريا في مرحلة إعادة تشكيل نظامها الأمني، ولبنان أمام سؤال الدولة والسلاح والحدود.
ليس المطلوب القول إن عمّان أصبحت صاحبة القرار في هذه الملفات. فهذا سيكون مبالغة. لكن يمكن القول إن الأردن أصبح أحد الممرات السياسية والأمنية التي تمر عبرها محاولات إعادة ترتيب المشرق.
ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم وجود الملك عبدالله في باريس.
لماذا الجيش اللبناني؟
دعم الجيش اللبناني لا ينفصل عن هذه الصورة. فلبنان يقف أمام مرحلة حساسة مع اقتراب بدء انسحاب اليونيفيل تدريجياً اعتباراً من مطلع 2027، وسط البحث عن صيغة دولية جديدة للحضور الأمني في الجنوب، وعن قدرة الجيش اللبناني على الانتشار وتحمل مسؤولياته. وتبحث الدول المشاركة في باريس في التدريب والتجهيز وتبادل المعلومات والدعم اللوجستي للجيش اللبناني. 
لكن الجيش اللبناني لا يمثل بالنسبة إلى الأردن مؤسسة لبنانية فقط.
إن تعزيز الجيش يعني، من المنظور الإقليمي، تعزيز مؤسسة الدولة اللبنانية على الحدود وفي الجنوب، في وقت يجري فيه البحث عن ترتيبات جديدة على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية. وهو ما يلتقي مع الموقف الأردني المعلن في باريس بدعم قدرات الجيش بحيث تبقى الأسلحة في يد الدولة وتتعزز سيادة لبنان. 
وهنا تبرز مفارقة لافتة، الجيش اللبناني الذي يواجه تحدي إعادة تثبيت موقع الدولة داخل لبنان، يجد إلى جانبه جيشاً أردنياً يعيش منذ سنوات تجربة مختلفة تماماً في التعامل مع الحدود والأمن الإقليمي والشراكة العسكرية الغربية.
لذلك يمكن قراءة زيارة قائد الجيش اللبناني إلى عمّان ثم ظهور الملك عبدالله معه في باريس كحلقتين في مسار واحد.
عمّان لم تكن محطة بروتوكولية لقائد الجيش. والملك عبدالله لم يأت إلى باريس كضيف عربي على مؤتمر فرنسي ـ لبناني. فالأردن هو صاحب "مسار العقبة" الذي أصبح إطاراً للتعاون الأمني الدولي، وهو في الوقت نفسه موجود في قلب الاتصالات المتعلقة بالجنوب السوري، ويملك علاقة عسكرية عميقة مع الولايات المتحدة، فيما وقّع الأردن وفرنسا خلال زيارة الملك الأخيرة اتفاقاً للتعاون الدفاعي يعمق الشراكة بين البلدين.
وهذا يفسر ربما لماذا بدا المشهد في باريس ثلاثياً: ماكرون، عبدالله، عون.
فرنسا تمثل البعد الأوروبي والدور التاريخي في لبنان، والأردن يمثل البعد العربي ـ الأمني المتصل بسوريا وإسرائيل والولايات المتحدة، فيما يمثل عون الدولة اللبنانية التي يُراد إعادة تثبيت مؤسساتها وفي مقدمها الجيش.
المغزى الأبعد قد يكون أن لبنان لم يعد يُبحث أمنياً بمعزل عن محيطه.
فالجنوب اللبناني متصل أمنياً بالجولان، والجولان متصل بالجنوب السوري، والجنوب السوري متصل بالأردن، والأردن متصل مباشرة بالمنظومة العسكرية الأميركية والإسرائيلية والغربية. وفي المقابل، فإن مستقبل الحدود اللبنانية لا ينفصل عن مستقبل العلاقة بين إسرائيل وسوريا وعن طبيعة الترتيبات التي ستنشأ بعد الحرب مع إيران.
من هنا تصبح مسألة دعم الجيش اللبناني أكثر من قضية تمويل وتجهيز.
إنها جزء من سؤال أكبر، من يدير الفراغ الذي قد ينشأ بعد تراجع الدور الأممي في الجنوب؟ ومن يملأ المساحة بين الدولة اللبنانية وإسرائيل؟ ومن يضمن ألا تتحول الحدود اللبنانية والسورية إلى جبهتين متصلتين في أي مواجهة إقليمية جديدة؟
الأردن لا يملك الإجابة وحده، لكنه يملك موقعاً يسمح له بالمشاركة في صياغة بعض الإجابات.
 

آخر الأخبار