Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
أخبارنا

حين تفاوض إيران عن لبنان: ماذا يبقى للدولة؟

يُطرح السؤال الجارح نتيجة التطورات العسكرية والديبلوماسية الأخيرة، هل انتقلت الوصاية على الحرب والسلم في لبنان إلى الخارج؟
الجيش اللبناني
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

المحرر السياسي- تكشف المفاوضات الجارية في واشنطن بشأن الجنوب اللبناني أن الصراع لم يعد يدور فقط حول الانسحاب الإسرائيلي أو تثبيت وقف إطلاق النار، بل حول الجهة التي تملك حق التفاوض على مستقبل لبنان الأمني والسيادي. وبينما تحاول الدولة اللبنانية تثبيت موقعها شريكاً أساسياً في أي تسوية، تبدو إيران وحزب الله أكثر حضوراً من أي وقت مضى في رسم معالم المرحلة المقبلة.

لا يمكن النظر إلى جولة المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في واشنطن باعتبارها مجرد حلقة جديدة من النقاشات التقنية حول الحدود أو الترتيبات الأمنية. فالمحادثات الجارية تكشف تحولات أعمق تتعلق بطبيعة السلطة الفعلية التي تدير ملف الحرب والسلم في لبنان.

في الشكل، يحضر الوفد اللبناني الرسمي والجيش اللبناني بوصفهما المرجعية الدستورية المخولة التفاوض باسم الدولة. لكن في الجوهر، تشير الوقائع المتراكمة منذ اندلاع الحرب الأخيرة إلى أن القرار اللبناني لم يعد منفصلاً عن التوازنات الإقليمية، ولا سيما عن العلاقة المستجدة بين واشنطن وطهران.

فمنذ بدء المواجهة، دخل حزب الله الحرب تحت عنوان دعم إيران ومساندة خياراتها الإقليمية. وعندما حان وقت وقف العمليات العسكرية، لم يأتِ المسار التفاوضي من خلال القنوات اللبنانية التقليدية وحدها، بل عبر تفاهمات أوسع بين الولايات المتحدة وإيران شملت أكثر من ساحة في المنطقة، وكان لبنان أحد بنودها الأساسية.

وهنا تكمن المفارقة. فالدولة اللبنانية التي سعت طوال الأشهر الماضية إلى تأكيد أنها صاحبة القرار في أي تسوية مقبلة، وجدت نفسها أمام واقع سياسي جديد عنوانه أن القوى الكبرى لا تزال تتعامل مع لبنان من خلال موازين القوى الإقليمية أكثر مما تتعامل معه كدولة مستقلة تمتلك قرارها السيادي الكامل.

وتزداد هذه المفارقة وضوحاً مع الحديث عن ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب يكون الجيش اللبناني جزءاً أساسياً منها، في وقت تصر إسرائيل على الحصول على ضمانات إضافية تتعلق بآليات الانتشار والمراقبة. فالمطلوب عملياً ليس فقط تعزيز حضور الجيش، بل بناء نموذج أمني جديد يفصل بين مؤسسات الدولة اللبنانية وبين نفوذ حزب الله في المناطق الحدودية.

غير أن هذه المقاربة تصطدم بعقبة أساسية تتمثل في أن الحزب، رغم الخسائر التي تكبدها خلال الحرب، لا يزال يمثل القوة السياسية والعسكرية الأكثر تأثيراً داخل البيئة الشيعية وفي جزء كبير من الجنوب. ولذلك فإن أي ترتيبات لا تأخذ هذا الواقع في الاعتبار قد تواجه صعوبات كبيرة في التطبيق.

وفي المقابل، يبدو أن طهران خرجت من الحرب وهي أكثر اقتناعاً بضرورة الإمساك المباشر بملف التسويات الإقليمية. فبعدما كانت إيران تكتفي سابقاً بإدارة نفوذها عبر حلفائها المحليين، تشير التطورات الأخيرة إلى انتقالها تدريجياً إلى موقع الشريك المباشر في رسم قواعد ما بعد الحرب، سواء في لبنان أو في ساحات أخرى.

أما الخاسر الأكبر في هذه المعادلة، فهو مفهوم الدولة اللبنانية نفسه. فكلما توسعت مساحة التفاهمات الخارجية حول لبنان، تقلصت قدرة المؤسسات اللبنانية على فرض نفسها مرجعاً وحيداً للقرار الوطني. وما يجري اليوم يطرح سؤالاً يتجاوز حدود الجنوب والانسحاب واللجان الأمنية، من يملك فعلاً حق التفاوض باسم لبنان؟

حتى الآن، لا يبدو أن الجواب واضحاً. فالمفاوضات تدور في واشنطن، والتفاهمات تُنسج بين واشنطن وطهران، والوقائع الميدانية تفرضها إسرائيل، فيما تحاول الدولة اللبنانية أن تجد لنفسها مكاناً بين هذه القوى جميعاً.

لذلك قد لا تكون القضية الأساسية في جولة واشنطن الحالية هي عدد النقاط التي ستنسحب منها إسرائيل أو حجم القوات التي سينشرها الجيش اللبناني، بل ما إذا كانت هذه الجولة ستؤسس لعودة الدولة إلى موقع القرار، أم أنها ستكرس واقعاً جديداً يصبح فيه لبنان مرة أخرى ساحة تفاوض بين الآخرين أكثر مما يكون طرفاً مستقلاً في تقرير مصيره.

آخر الأخبار