Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
تراث

حين يكتب الجيش تاريخه: الذاكرة العسكرية في مواجهة النسيان

كما يكتب السياسيون مذكراتهم ويؤلف المؤرخون كتبهم، تمتلك المؤسسات العسكرية حقها في تدوين ذاكرتها. وموسوعة "تاريخ الجيش اللبناني" تمثل محاولة جادة لإدخال الرواية العسكرية إلى النقاش الوطني
تاريخ الجيش اللبناني
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

أنطوان سلامه- ليس إصدار قيادة الجيش اللبناني – مديرية التوجيه، موسوعة "تاريخ الجيش اللبناني" (1945-1958)، وما يُنتظر من استكمالات لجنة كتابة هذا التاريخ برئاسة العميد الركن الدكتور جهاد مرعي، سوى محاولة علمية رصينة لفتح دفاتر الجيش أمام الباحثين والمؤرخين والمهتمين بتاريخ لبنان الحديث.
وفي هذه الخطوة قدر كبير من الجرأة والمسؤولية، لأن دور الجيش في تاريخ لبنان المعاصر ظل مادةً جدلية في كثير من المحطات، ووصل في بعض المراحل الساخنة إلى مستوى الانقسام السياسي والوطني حول قراءته وتفسيره. ومن خلال هذا المشروع، الذي انطلق نشره عام 2009، تقدم قيادة الجيش سرديتها الخاصة خارج الاصطفافات والمحاور السياسية، فتكتب روايتها بأسلوب علمي يستند إلى الوثائق والأرشيف والشهادات المحفوظة في ذاكرة المؤسسة، وهي ذاكرة وطنية لا يجوز أن تبقى حبيسة الأدراج أو خلف أسوار وزارة الدفاع ومؤسساتها المختلفة.
والموسوعة، بما تتضمنه من معلومات دقيقة عن تشكيل الألوية والأفواج، ومسارات التسليح، وتطور البنية العسكرية واللوجستية والخدماتية والإنمائية، تشكل مرجعاً لا غنى عنه لكل باحث في تاريخ لبنان. لذلك تُقرأ بعين نقدية واعية، ولا سيما عند المفاصل التاريخية المثيرة للجدل، من الحرب العربية – الإسرائيلية الأولى عام 1948 وصولاً إلى أحداث عام 1958. وهي بذلك تضاف إلى مذكرات السياسيين وشهادات الكتّاب والباحثين المدنيين، لكنها تكتسب خصوصيتها من كونها الرواية الرسمية لمؤسسة شاركت في صناعة تلك الأحداث أو مواكبتها على المستويين المحلي والإقليمي.
ومن يقرأ الأجزاء التي صدرت حتى الآن، مترقباً ما سيصدر لاحقاً عن المراحل الأكثر حساسية في تاريخ لبنان، يلاحظ أن موسوعة تاريخ الجيش اللبناني ليست مجرد سجل للأحداث العسكرية أو أرشيف للمعارك والوحدات والقيادات، بل هي، في جوهرها، قراءة موازية لتاريخ لبنان الحديث. فكل صفحة منها تكشف حجم التداخل بين مسار المؤسسة العسكرية ومسار الدولة، وكيف كان الجيش شاهداً على التحولات الكبرى التي عرفها الوطن، من الانتداب إلى الاستقلال، ومن الأزمات الداخلية إلى الحروب والاعتداءات الخارجية.
وتتميّز الموسوعة بأنها تنقل القارئ من التاريخ السياسي المجرد إلى التاريخ الحيّ، حيث تتقاطع الوقائع العسكرية مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فالجيش اللبناني لم يكن يوماً مؤسسة معزولة عن مجتمعها، بل شكّل في مراحل كثيرة صورة مصغّرة عن لبنان نفسه، بتنوعه وتناقضاته وتحدياته وطموحاته.
كما يبرز فيها الجهد البحثي الكبير المبذول في جمع الوثائق والصور والخرائط والشهادات، ما يجعلها مرجعاً علمياً وتوثيقياً . فهي لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تسهم في حماية الذاكرة الوطنية من الضياع، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة لفهم الدور الذي أدّته المؤسسة العسكرية في حماية الدولة والحفاظ على وحدتها واستمراريتها رغم الأزمات والعواصف التي عصفت بها.
ولا تكمن القيمة الحقيقية لهذه الموسوعة في حجم المعلومات التي تحتويها فحسب، بل في قدرتها على تحويل التاريخ إلى ذاكرة جماعية موثقة، وعلى إبراز الجيش اللبناني كأحد أعمدة الدولة الحديثة. لذلك يمكن النظر إليها بوصفها عملاً وطنياً بقدر ما هي عمل أكاديمي وتوثيقي، لأنها تحفظ جزءاً أساسياً من قصة لبنان وتضعه في متناول الباحثين والقراء على حد سواء.
وربما قرأتُ هذه الموسوعة، أو اطلعتُ على معظم أجزائها، من زاوية البحث عن الحقائق التاريخية، أو على الأقل عن السرديات المختلفة والمتناقضة أحياناً حول الأحداث نفسها. إلا أن أهميتها تكمن في أنها تقدم رواية أساسية لا يمكن تجاوزها بين الروايات المتعددة لتاريخ لبنان الحديث. والأهم أنها نقلت قيادة الجيش من موقع المتلقي أو موضوع الدراسة إلى موقع الشاهد والكاتب، لا بوصفها طرفاً سياسياً، بل بوصفها مؤسسة وطنية تمتلك حق الإفصاح عن ذاكرتها وروايتها الخاصة في مرايا الوطن المتعددة والمتعارضة أحياناً.
وتزداد أهمية هذه التجربة إذا ما قورنت بتجارب جيوش أخرى في العالم. فالجيش البريطاني يحتفظ منذ عقود بسلاسل من الدراسات التاريخية الرسمية عن حروبه وحملاته العسكرية، كما أن الجيش الأميركي أنشأ مراكز متخصصة للتاريخ العسكري تصدر باستمرار أبحاثاً ووثائق وموسوعات حول مختلف الحروب التي خاضها. كذلك فعل الجيش الفرنسي الذي راكم أرشيفاً ضخماً ودراسات مرجعية عن تاريخه الاستعماري والوطني، فيما جعلت جيوش عدة، صديقة وعدوة، كتابة التاريخ العسكري جزءاً من عملية مراجعة التجارب واستخلاص الدروس. ولم تمنع هذه المبادرات المؤرخين المستقلين أو الباحثين المدنيين من تقديم قراءاتهم المختلفة، بل أغنت النقاش التاريخي ووسّعت قاعدة المعرفة.
من هنا، تبدو المحافظة على هذا المشروع واستكماله ضرورة وطنية وعلمية في آن واحد. فكتابة التاريخ ليست امتيازاً حصرياً للمؤرخين المدنيين، كما أنها ليست حكراً على السياسيين أو أصحاب المذكرات الشخصية. والمؤسسات العسكرية، شأنها شأن سائر المؤسسات الكبرى، تمتلك حقها الطبيعي في أن تكتب روايتها وأن تفتح أرشيفها أمام الأجيال.
لذلك، فإن استمرار هذه المغامرة التأليفية يشكل إنجازاً بحد ذاته، لأنها تنقل الجيش من فضاء السلاح إلى فضاء المعرفة، ومن حفظ الحدود إلى حفظ الذاكرة. وحين يدخل العسكر إلى ميدان التأليف والتوثيق، لا ليحتكروا الحقيقة بل ليضيفوا إليها، يصبح التاريخ أكثر اكتمالاً، وتصبح الذاكرة الوطنية أكثر قدرة على مقاومة النسيان.

 

آخر الأخبار