كيف سيعيش الإنسان على المريخ والقمر؟
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
السؤال الذي تطرحه مشاريع السكن على المريخ والقمر لا يتعلق فقط بكيفية بناء جدران قادرة على مقاومة الإشعاع والبرد والفراغ، بل بشيء أكثر تعقيداً: كيف نصمم مكاناً يستطيع الإنسان أن يعيش فيه فعلاً؟
في مركز جونسون الفضائي التابع لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا» في هيوستن، يخوض أربعة أشخاص تجربة تحاكي هذه الحياة. فمنذ 19 تشرين الأول 2025، يعيش روس إلدر وإيلين إليس وماثيو مونتغمري وجيمس سبايسر داخل منشأة تبلغ مساحتها نحو 158 متراً مربعاً، يفترضون خلالها أن الأرض تبعد عنهم نحو 225 مليون كيلومتر. وتستمر التجربة 378 يوماً، ضمن مهمة «CHAPEA» التي تحاكي ظروف مهمة بشرية إلى المريخ.
المنشأة، المعروفة باسم Mars Dune Alpha، صممتها مجموعة BIG ونفذتها شركة ICON باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد. وهي ليست مجرد مكان للنوم. تضم غرفاً خاصة، ومساحات للعمل والحياة المشتركة، ومحطة طبية، ومناطق لزراعة الغذاء. ويتولى أفراد الطاقم ممارسة الرياضة وصيانة المكان وزراعة المحاصيل، كما يخرجون في جولات تحاكي السير على سطح المريخ.
وتضيف «ناسا» إلى التجربة قيوداً على الموارد، وأعطالاً في المعدات، وتأخيراً في الاتصالات، لمحاكاة بعض الظروف التي قد يواجهها البشر فعلياً على الكوكب الأحمر.
لكن أهمية هذه التجربة تتجاوز التكنولوجيا.
على الأرض، لا نفكر عادة في المنزل باعتباره جزءاً من منظومة ضخمة للبقاء. يصل الماء عبر الأنابيب، وتختفي النفايات في شبكات الصرف، تأتي الكهرباء من خارج المبنى، وتتكفل سلاسل الإمداد بتأمين قطع الغيار والطعام وكل ما يحتاج إليه المنزل.
أما على المريخ، فسيتعين على جزء كبير من هذه المنظومة أن يدخل إلى داخل البيت نفسه.
هنا يبدأ الحد الفاصل بين المنزل والبنية التحتية في الاختفاء.

الخصوصية تصبح جزءاً من نظام البقاء
في Mars Dune Alpha، جرى الفصل بين أماكن العمل والمعيشة، ومنحت لكل فرد غرفة خاصة، مع اختلاف في ارتفاعات الأسقف وتوزيع المساحات، بهدف خلق قدر من التنوع داخل بيئة مغلقة يعيش فيها الأشخاص فترة طويلة.
قد تبدو هذه التفاصيل ثانوية في منزل على الأرض. لكنها تصبح مسألة أساسية عندما يعيش الإنسان أشهراً في مساحة محدودة لا يستطيع مغادرتها متى شاء.
فالخصوصية تحتاج إلى مساحة، والمساحة في مركبة أو مستعمرة فضائية لها ثمنها. ومع ذلك، فإن إلغاء الخصوصية قد يخلق ضغطاً نفسياً واجتماعياً لا يقل خطورة عن نقص الموارد.
وقد اختبرت شركة SAGA Space Architects المشكلة نفسها في مشروع أصغر وأكثر تطرفاً هو LUNARK، وهو موطن قمري تجريبي أقيم في غرينلاند عام 2020. عاش المهندسان سيباستيان أرسطوتيليس وكارل-يوهان سورنسن داخله لمدة 60 يوماً، في عزلة عن العالم الخارجي وسط ظروف قطبية شديدة البرودة.
لم تتجاوز المساحة الداخلية المنتشرة للمشروع 17.2 متراً مكعباً. لذلك صممت أماكن النوم الخاصة لكل شخص على شكل حجيرات صغيرة مرتفعة فوق المساحة الرئيسية، مع عزل صوتي ومساحات محدودة للأغراض الشخصية.
في مثل هذه البيئات، لا تعود الخصوصية ترفاً معمارياً، بل تصبح جزءاً من هندسة البقاء.
لا يوجد مكان اسمه «بعيد»

المشكلة الأخرى هي النفايات.
على الأرض، اعتدنا أن نتعامل مع النفايات باعتبارها شيئاً نخرجه من المنزل وينتهي أمره. لكن في مستوطنة تبعد ملايين الكيلومترات عن الأرض، لا يوجد فعلياً مكان يمكن أن نرمي فيه الأشياء ونقول إنها اختفت.
ولهذا تعمل وكالة الفضاء الأوروبية منذ سنوات على مشروع MELiSSA، أي «نظام دعم الحياة البديل للنظام البيئي الميكروي»، الذي يحاول محاكاة بعض الدورات الطبيعية للأرض داخل منظومة مغلقة.
تدخل المخلفات العضوية في عمليات بيولوجية، ويمكن لثاني أكسيد الكربون أن يصبح مادة أولية في جزء آخر من الدورة، فيما تساعد الكائنات التي تقوم بالتمثيل الضوئي في تجديد الأكسجين واستعادة المياه، وتوفر النباتات جزءاً من الغذاء.
الهندسة هنا شديدة التعقيد، لكنها تقود إلى فكرة بسيطة: لا شيء يختفي فعلاً.
ما يستهلكه الإنسان وما يخرجه من جسمه وما ينتجه المطبخ والحمام، يمكن أن يعود، بعد المعالجة، إلى دورة الموارد داخل المستوطنة.
وبذلك يصبح المطبخ والحمام ومحطات معالجة المياه والنفايات ومناطق زراعة النباتات أجزاء من منظومة منزلية واحدة.
على الأرض، تخفي العمارة هذه الدورة خلف الجدران وتحت الشوارع. أما في المستوطنات الفضائية، فقد تصبح هذه الدورة جزءاً واضحاً من تصميم المكان نفسه.

عندما يصبح السقف سماءً
هناك مشكلة أخرى لا تقل أهمية: الضوء.
خلال تجربة LUNARK في غرينلاند، مرّت فترات طويلة من دون رؤية ضوء الشمس المباشر. لذلك غُطي جزء كبير من سقف المنشأة بألواح ضوئية قابلة للبرمجة، تغير شدة الضوء وطيفه خلال اليوم لمحاكاة دورة النهار والليل.
يبدأ الضوء بما يشبه شروق الشمس داخل حجرات النوم، ثم يتغير تدريجياً مع مرور الساعات.
وهكذا يتحول السقف إلى ما يشبه سماءً صناعية.
هذه الفكرة تكشف أن السكن خارج الأرض ليس مجرد مسألة تأمين الضغط والهواء والحماية من الإشعاع. فالإنسان لا يحتاج إلى الأكسجين والطعام والحرارة فقط، بل يحتاج أيضاً إلى الإيقاع اليومي للضوء، وإلى التنوع الحسي، وإلى الشعور بمرور الزمن.
في بيئة مغلقة، حيث قد لا يتغير المشهد الخارجي، ولا يتبدل الطعام أو البرنامج أو الأشخاص من حولك كثيراً، يصبح الضوء والصوت وملمس المواد وتنوع المساحات عناصر تؤثر في قدرة الإنسان على الاستمرار.
من البيت إلى «نظام حياة»
ربما تكمن المفارقة الأساسية في أن مستقبل العمارة الفضائية يعيد تعريف معنى البيت نفسه.
على الأرض، يمكن للمنزل أن يكون جميلاً أو مريحاً أو عملياً، لكنه يعتمد دائماً تقريباً على عالم خارجي ضخم يوفر له الهواء والماء والطاقة والغذاء والتخلص من النفايات وقطع الغيار.
أما على المريخ أو القمر، فعلى البيت أن يحمل جزءاً من هذا العالم معه.
سيكون عليه أن يحافظ على الهواء، ويعيد تدوير المياه، ويتعامل مع النفايات، ويساعد على إنتاج الغذاء، ويوفر الضوء، ويحمي سكانه، ويمنحهم في الوقت نفسه مساحة للخصوصية والعمل والراحة.
وهكذا قد يصبح السؤال المعماري في المستقبل أقل تعلقاً بـ«كيف نبني منزلاً في الفضاء؟»، وأكثر تعلقاً بـكيف نبني عالماً صغيراً يستطيع الإنسان أن يعيش داخله؟
فالبيت، بعيداً عن الأرض، لن يكون مجرد مأوى يحمي الإنسان من الخارج. سيكون جزءاً من جهاز الحياة نفسه.
