لبنان بين المطرقة الأميركية والسندان الإيراني... وإسرائيل اللاعب الثالث
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي-ليست زيارة الموفد الأميركي قائد القيادة المركزية الأميركية الادميرال براد كوبر إلى بيروت حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل هي حلقة جديدة في صراع إقليمي ودولي بات لبنان أحد أهم ميادينه. فمنذ انتهاء الحرب الأخيرة، انتقلت المواجهة من ساحات القتال إلى طاولات التفاوض، ومن الصواريخ إلى الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية، فيما يحاول كل طرف أن يفرض شكل لبنان الذي سيخرج من هذه المرحلة.
الولايات المتحدة تنظر إلى اللحظة الحالية باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة اللبنانية وفق معادلة جديدة، يكون فيها الجيش اللبناني المرجعية الأمنية الوحيدة، وتصبح الحكومة صاحبة القرار الحصري في السلم والحرب، بما ينسجم مع المطالب الأميركية والدولية المتكررة بتطبيق القرارات الدولية كاملة.
في المقابل، ترى إيران أن لبنان لم يعد مجرد ساحة نفوذ، بل أصبح آخر موقع متقدم لها على شاطئ المتوسط، خصوصاً بعد التغييرات التي أصابت شبكة نفوذها الإقليمية. ولذلك فإن أي تراجع لحزب الله داخل لبنان لا يُقرأ في طهران باعتباره شأناً لبنانياً، بل خسارة استراتيجية في ميزان القوى الإقليمي.
لكن الحديث عن الصراع الأميركي - الإيراني يبقى ناقصاً إذا أُهمل العامل الإسرائيلي، الذي ربما يكون الأكثر تأثيراً في هذه المرحلة. فإسرائيل لا تكتفي بمتابعة المفاوضات، بل تمارس ضغوطها اليومية عبر استمرار العمليات العسكرية والخروق الأمنية، واضعة لبنان أمام معادلة واضحة: لا إعادة إعمار، ولا استقرار دائم، قبل إزالة كل ما تعتبره تهديداً أمنياً على حدودها الشمالية.
بهذا المعنى، لا تتحرك واشنطن في فراغ، بل تتحرك ضمن رؤية تتقاطع في جزء كبير منها مع الأهداف الإسرائيلية، وإن اختلفت الوسائل. فالولايات المتحدة تفضّل التفاوض والضغوط السياسية، بينما تستخدم إسرائيل القوة العسكرية للحفاظ على ميزان الردع ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله.
ومن هنا يمكن فهم مغزى زيارة كوبر، التي تبدو أشبه بجولة لتقويم مدى استعداد الدولة اللبنانية للانتقال إلى مرحلة جديدة، أكثر منها مجرد متابعة تقنية للاتفاقات القائمة.
وفي الداخل اللبناني، بدأت تتشكل ملامح اصطفاف سياسي جديد، يختلف عن الانقسامات التقليدية التي حكمت الحياة السياسية منذ عام 2005.
في الجهة الأولى، يبرز رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي يحاول تقديم نفسه بوصفه قائد مشروع الدولة واستعادة المؤسسات، مستنداً إلى دعم عربي وغربي واضح، وإلى قناعة متزايدة بأن المجتمع الدولي لن يضخ أي مساعدات أو استثمارات قبل تثبيت سلطة الدولة على كامل أراضيها. ويبدو أن رئيس الحكومة نواف سلام يشكل شريكاً أساسياً في هذا التوجه، بما يعزز صورة السلطة التنفيذية كعنوان للمشروع الإصلاحي والسيادي.
وفي الجهة الثانية، يقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يبدو أنه يتولى إدارة المرحلة السياسية الحساسة داخل البيئة الشيعية، واضعاً نفسه في موقع المدافع عن حماية حزب الله من أي محاولة لعزله أو فرض وقائع جديدة عليه. فبري يدرك أن أي تسوية لا تراعي التوازنات الداخلية قد تؤدي إلى انفجار سياسي أو أمني، ولذلك يحاول أن يكون المفاوض الأساسي مع الأميركيين، وأن يبقى البوابة الإلزامية لأي حل.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود مواجهة مباشرة بين الرجلين، بقدر ما يعني وجود رؤيتين مختلفتين للمرحلة المقبلة. فالرئيس عون يتحرك انطلاقاً من فكرة أن الفرصة الدولية الحالية يجب استثمارها لإعادة بناء الدولة، بينما ينطلق بري من أولوية حماية الاستقرار الداخلي ومنع انتقال الضغوط الخارجية إلى صدام داخلي مع البيئة الشيعية.
ومن المبكر الحديث عن جبهتين متقابلتين بالمعنى التقليدي، إلا أن الوقائع السياسية تشير إلى تبلور محورين: محور يضع أولوية بناء الدولة وفق الشروط التي يطرحها المجتمع الدولي، ومحور يسعى إلى حماية التوازنات التي نشأت خلال العقود الماضية وعدم السماح بانهيارها دفعة واحدة.
ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع لبنان أن يحوّل هذا الاشتباك الأميركي - الإيراني - الإسرائيلي إلى فرصة لبناء دولة قوية، أم أنه سيبقى ساحة يتبادل فوقها اللاعبون الإقليميون والدوليون الرسائل والنفوذ؟
الإجابة لن تحددها زيارة كوبر وحدها، بل قدرة اللبنانيين أنفسهم على إنتاج تسوية داخلية تسبق التسويات الخارجية. فكلما تأخر الاتفاق اللبناني، ازداد خطر أن يُكتب مستقبل لبنان في العواصم المعنية، لا في بيروت كما حدث في الطائف.