مفاوضات واشنطن :الهوة بين بيروت وتل أبيب
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- لم يكن انتقال المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في واشنطن من النقاشات السياسية العامة إلى مرحلة تبادل الخرائط كافياً لإثبات أن التسوية أصبحت في متناول اليد. فعلى الرغم من المناخ التفاؤلي الذي يحرص المسؤولون الأميركيون على إشاعته، فإن الوقائع التي برزت خلال الجولة الخامسة تشير إلى أن الطرفين لم يقتربا بعد من نقطة التقاء حقيقية، بل انتقلا إلى مواجهة أكثر دقة حول جوهر المشروع المطروح وأهدافه النهائية.
صحيح أن البحث دخل مرحلة تقنية تتناول خرائط الانسحاب الاسرائيلي وآليات تسلّم الجيش اللبناني للمواقع ودور الوسيط الأميركي، إلا أن هذه المرحلة كشفت في الوقت نفسه حجم التباين بين الرؤية اللبنانية والرؤية الإسرائيلية لما يسمى "المناطق النموذجية" أو الـPilot Zones، والتي باتت تشكل جوهر المبادرة الأميركية.
فبالنسبة إلى الوفد اللبناني، لا يمكن لهذه المناطق أن تتحول إلى مجرد اختبار أمني لقدرات الجيش اللبناني. ومن هنا يأتي الإصرار على أن تبدأ التجربة، كلياً أو جزئياً، من الأراضي التي لا تزال إسرائيل تحتلها على طول الخط الأزرق أو ما يُعرف بالخط الأصفر، بحيث يقترن أي انتشار للجيش اللبناني بانسحاب إسرائيلي فعلي يثبت جدية المسار ويعطيه بعداً سيادياً واضحاً. فبيروت تنظر إلى هذه المناطق بوصفها مدخلاً لاستعادة الأرض وتثبيت سلطة الدولة، لا باعتبارها مشروعاً أمنياً منفصلاً عن مسألة الاحتلال.
في المقابل، تبدو إسرائيل معنية بأمر مختلف تماماً. فهي لا تنظر إلى المناطق النموذجية كخطوة أولى نحو الانسحاب، بل كوسيلة لاختبار فعالية الترتيبات الأمنية الجديدة. ولذلك تدفع باتجاه توسيع نطاق التجربة إلى مناطق أبعد من خط التماس الحالي، وربما إلى مناطق تقع شمال الليطاني، بهدف قياس قدرة الجيش اللبناني على منع عودة حزب الله إلى هذه المناطق وترسيخ واقع أمني جديد قبل تقديم أي تنازل ميداني واسع.
وهنا تكمن الفجوة الأساسية. فبينما يتحدث لبنان عن السيادة والانسحاب واستعادة الأرض، تتحدث إسرائيل عن الأمن واختبار الأداء العسكري للدولة اللبنانية. وبينما يعتبر الوفد اللبناني أن مهمة الجيش في بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية هي شأن سيادي داخلي لا يخضع لشروط أو اختبارات خارجية، تحاول إسرائيل ربط أي تقدم سياسي بقدرة الجيش على تحقيق أهداف أمنية تتصل مباشرة بمستقبل وجود حزب الله ونشاطه في الجنوب.
هذه المقاربة الإسرائيلية تثير في بيروت خشية من أن تتحول المناطق النموذجية إلى آلية دائمة للتقييم والمراقبة، بحيث يصبح الانسحاب الإسرائيلي مشروطاً بنتائج اختبارات أمنية متتالية، بدلاً من أن يكون جزءاً من تنفيذ التزامات واضحة ومحددة زمنياً.
في هذا السياق، يكتسب تبني وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو علناً لفكرة المناطق النموذجية دلالة خاصة. فواشنطن تبدو مقتنعة بأن نجاح أي ترتيبات مستقبلية يمر عبر تعزيز دور الجيش اللبناني وربط المساعدات والدعم الأميركيين بقدرته على الإمساك بالأرض. غير أن الرهان الأميركي يصطدم حتى الآن بتعارض جوهري بين أولويات الطرفين، فلبنان يريد مساراً يقود إلى إنهاء الاحتلال وتثبيت السيادة، فيما تريد إسرائيل ضمانات أمنية مسبقة تتعلق بحزب الله قبل أي انسحاب واسع.
لذلك، فإن الحديث عن تقدم في المفاوضات يبقى نسبياً. فالانتقال إلى الخرائط لا يعني أن الاتفاق أصبح قريباً، بل قد يكون مؤشراً إلى دخول المفاوضات في أكثر مراحلها حساسية وتعقيداً. فالخطوط التي تُرسم على الورق اليوم لا تحدد فقط حدود مناطق تجريبية، بل ترسم أيضاً حدود الصراع بين مفهومين مختلفين بالكامل، مفهوم لبناني يرى في المفاوضات طريقاً لاستعادة السيادة، ومفهوم إسرائيلي يعتبرها أداة لاختبار الترتيبات الأمنية الجديدة.
وبين هذين المفهومين، تبدو المسافة السياسية أكبر بكثير من المسافة التي تفصل بين الخرائط الموضوعة على طاولة التفاوض.