أنقرة... أكثر من زيارة وأقل من تحالف
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- في الوقت الذي وضع فيه رئيس الجمهورية جوزاف عون إكليلاً من الزهر على ضريح مصطفى كمال أتاتورك، مشيداً بتجربة بناء دولة القانون والمؤسسات، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول دبلوماسي. ففي لحظة تعيد فيها المنطقة رسم خرائط القوة والأمن، بدت الزيارة إلى أنقرة إعلاناً عن تموضع لبناني داخل مرحلة إقليمية جديدة، عنوانها انتقال الشرق الأوسط من إدارة الحروب إلى إدارة ترتيبات ما بعدها.
فمن غزة إلى جنوب لبنان، ومن البحر الأحمر إلى شرق المتوسط، تتبلور معادلة مختلفة عما عرفته المنطقة طوال العقود الماضية. لم يعد الحديث يقتصر على وقف إطلاق النار، بل أصبح يدور حول إعادة احتكار الدولة للسلاح، وإقامة منظومات أمنية إقليمية، وتثبيت ترتيبات دولية جديدة تفرض وقائع سياسية وأمنية مختلفة.
ولذلك، لم يكن عابراً أن يطلب الرئيس اللبناني من تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي وصاحبة الحضور الإقليمي الواسع، أن تساهم في دعم اتفاق الإطار الذي وُقّع في واشنطن، وأن تستخدم شبكة علاقاتها الدولية لتأمين الضمانات اللازمة لإنجاحه. فلبنان، كما أكد عون، ملتزم بتنفيذ ما وقّع عليه، لكنه يرفض أن تتحول التزاماته إلى خطوة أحادية في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي وغياب الانسحاب الكامل ووقف الاعتداءات والخروق.
في المقابل، كان قائد الجيش العماد رودولف هيكل يرسم، عشية عيد الجيش، الوجه العملي لهذه المعادلة، مؤكداً استعداد المؤسسة العسكرية للانتشار في كل المناطق التي تنسحب منها إسرائيل، مع الإشارة بوضوح إلى أن استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية هو ما يعيق استكمال هذه المهمة. وهكذا يتكامل المسار السياسي الذي يقوده رئيس الجمهورية مع المسار الميداني الذي ينفذه الجيش، باعتبارهما ركيزتين لتنفيذ الاتفاق ضمن الثوابت الوطنية.
غير أن المشهد اللبناني لا يمكن عزله عما يجري في الإقليم.
ففي القاهرة، تتحدث واشنطن عن اتفاق تاريخي يقود إلى نزع سلاح حركة حماس ضمن مراحل متدرجة مقابل انسحاب إسرائيلي من غزة، وهو تطور، إذا ما ثبت، يعني أن ملف السلاح غير النظامي أصبح جزءاً أساسياً من أي تسوية سياسية مستقبلية، وليس مجرد تفصيل أمني. أما في البحر الأحمر، فتقود السعودية تحالفاً دفاعياً بحرياً واسعاً تشارك فيه عشرات الدول لحماية الملاحة الدولية، في مواجهة الهجمات التي عطلت أحد أهم الشرايين الاقتصادية العالمية. وفي المقابل، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية، سواء عبر استهداف منشآت في محيط الإقليم أو عبر تكثيف عملياتها في جنوب لبنان، حيث أعلنت تدمير أنفاق في منطقة الشقيف، وأكدت أنها ستواصل العمل داخل ما تسميه "المنطقة الأمنية"، ملوحة بردود قاسية على أي استهداف لقواتها.
هذه الوقائع، على اختلاف ساحاتها، تشترك في هدف واحد، إعادة صياغة البيئة الأمنية في الشرق الأوسط. فالمعادلة التي حكمت المنطقة بعد عام 1979، والقائمة على تمدد النفوذ الإيراني عبر شبكة من التنظيمات المسلحة الممتدة من لبنان إلى غزة واليمن والعراق، تواجه اليوم مشروعاً مضاداً يسعى إلى إعادة تثبيت مركزية الدولة، وربط الأمن الإقليمي بتحالفات دولية وإقليمية جديدة.
من هنا، تكتسب زيارة أنقرة دلالة تتجاوز العلاقات الثنائية أو التعاون الاقتصادي الذي يحتاج إليه لبنان بشدة. فهي تعكس إدراكاً رسمياً بأن نجاح لبنان في هذه المرحلة لن يتوقف فقط على قدرته الداخلية، بل أيضاً على بناء شبكة ضمانات إقليمية ودولية تساعده على تنفيذ الاتفاقات التي التزم بها، وتحميه من أن يتحول إلى الحلقة الأضعف في عملية إعادة تشكيل المنطقة.
ويبقى السؤال الأساسي، هل يستطيع لبنان أن يواكب هذه التحولات بوصفه شريكاً في صناعة الترتيبات الجديدة، أم أنه سيبقى ساحة تتلقى نتائجها؟
فالمنطقة تدخل مرحلة مختلفة، حيث تتراجع تدريجياً شرعية السلاح الخارج عن الدولة، وتتقدم مفاهيم الجيوش الوطنية، والضمانات الدولية، والتحالفات الأمنية متعددة الأطراف. وإذا كان لبنان يريد استعادة دوره واستقراره، فإن نجاحه لن يقاس فقط بانتشار الجيش في الجنوب أو بتنفيذ اتفاق الإطار، بل بقدرته على إعادة بناء الدولة باعتبارها المرجعية الوحيدة للأمن والسيادة والقرار الوطني.
وهنا تكتسب الإشارة إلى تجربة أتاتورك معناها السياسي الأعمق. فهي ليست استحضاراً لتاريخ تركيا بقدر ما هي تذكير بأن الدول لا تستقر عندما تتوازن القوى داخلها، بل عندما تحتكر المؤسسات الشرعية وحدها القوة والقرار. والسؤال الذي يواجه لبنان اليوم ليس كيف ينهي حربه الأخيرة، بل كيف يؤسس لدولة تمنع اندلاع الحرب التالية.