Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية

إسرائيل تنسحب من الجنوب أم تعيد رسم احتلالها؟

تتضارب الروايات الاسرائيلية بشأن احتلال الجنوب ومداه بشكل يطرح علامات استفهام .
أنفاق
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

المحرر السياسي- ليس أكثر ما يلفت في المشهد الإسرائيلي في جنوب لبنان ما تقوله إسرائيل، بل التناقض بين ما تقوله في الوقت نفسه.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه هيئة البث الإسرائيلية عن استعداد الجيش لتقليص قواته والانتقال إلى منطقة أمنية جديدة أقرب إلى الحدود، بعمق يتراوح بين كيلومترين وأربعة كيلومترات، يخرج وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ليعلن أن السيطرة على تلة علي الطاهر تمثل "ختام إحكام القبضة" على المنطقة الأمنية، وأن إسرائيل لن تنسحب منها قبل نزع سلاح حزب الله في كل لبنان. والأهم أن الخطة التي تتحدث عن تقليص الوجود العسكري لم تحصل، بحسب الرواية نفسها، على موافقة المستوى السياسي حتى الآن. 
أي رواية ينبغي أن نصدق؟
قد لا يكون الجواب في إحداهما، بل في الجمع بينهما.
إسرائيل قد تكون بالفعل في صدد تقليص حجم انتشارها العسكري، لكن تقليص عدد الجنود لا يعني بالضرورة تقليص المساحة التي تريد الاحتفاظ بها، ولا يعني بالضرورة العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل الحرب. فما يجري قد يكون انتقالًا من احتلال عسكري واسع إلى انتشار أكثر تركيزًا، محميًا بمواقع ثابتة وقدرة نارية واستخبارية تسمح بالتدخل من دون إبقاء قوات كبيرة داخل الأراضي اللبنانية.
وهنا تصبح عبارة "المنطقة الأمنية" أكثر أهمية من عدد الجنود.
فالجيش الإسرائيلي كان قد أعلن في حزيران الماضي عن منطقة عمليات تمتد في بعض النقاط إلى نحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، ونشر خريطة أظهرت احتلال مناطق بينها مرتفعات علي الطاهر وكفرتبنيت. أما الآن، فتتحدث المؤسسة الأمنية عن منطقة جديدة أقرب إلى الحدود.
هل يعني ذلك تراجعًا؟
نعم، إذا كان المقصود المسافة التي تنتشر فيها القوات البرية.
لكن ليس بالضرورة إذا كان المقصود الترتيب الأمني والسياسي الذي تريد إسرائيل فرضه على الجنوب.
وهنا تكمن العقدة.
فإسرائيل لا تقدم ما يحدث بوصفه انسحابًا من الجنوب اللبناني، بل بوصفه إعادة تنظيم للوجود العسكري وفق شروطها. وفي الرواية الإسرائيلية الأخيرة، تأتي تلة علي الطاهر بوصفها الحلقة التي اكتملت بها "القبضة"على المنطقة الأمنية، فيما يقول وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيواصل تحييد الأنفاق وتدميرها، وإن انتشاره سيُحدد وفق "ترتيب تكتيكي ملائم".
واللافت أن السيطرة على علي الطاهر نفسها لم تُحسم روايتها اللبنانية بصورة نهائية، إذ لم يصدر عن حزب الله تأكيد بشأنها، فيما تقول إسرائيل إنها أنهت السيطرة على المرتفع ودمرت بنية تحتية وأنفاقًا فيه. وتصف مصادر إسرائيلية الموقع بأنه بالغ الحساسية، في وقت يستمر فيه القصف والنشاط العسكري حول المنطقة. 
لذلك، فإن المشكلة ليست فقط في ما تقوله إسرائيل، وإنما في اللغة التي تستخدمها لوصف المرحلة المقبلة، فمرة تتحدث عن "منطقة أمنية" بعمق عشرة كيلومترات، ومرة عن منطقة جديدة بعمق كيلومترين إلى أربعة، ومرة عن تقليص القوات، ومرة عن عدم الانسحاب قبل نزع سلاح حزب الله في كل لبنان، ومرة عن اتفاق إطار ومفاوضات، ومرة عن استمرار الغارات والعمليات العسكرية.
هذه ليست بالضرورة تناقضات عابرة. قد تكون، في جانب منها، لغة تفاوضية مقصودة تترك لإسرائيل هامشًا واسعًا للمناورة بين الميدان والسياسة.
فإذا كان الانسحاب الكامل مرتبطًا بنزع سلاح حزب الله، فإن الانسحاب يتحول من التزام محدد إلى نتيجة مشروطة. وإذا كان الانتشار الجديد أقرب إلى الحدود، فإن إسرائيل تستطيع تقديمه سياسيًا بوصفه تقليصًا، فيما يبقى جنوب لبنان أمام واقع أمني جديد: قوات أقل، لكن قدرة إسرائيلية أكبر على المراقبة والضرب والتدخل.
وهذا ما يجعل السؤال الحقيقي ليس هل ستنسحب إسرائيل؟بل إلى أين ستنسحب، وبأي شروط، وماذا ستترك وراءها؟فقد يكون الفرق بين الانسحاب وإعادة الانتشار بضعة كيلومترات على الخريطة، لكنه قد يكون سياسيًا وأمنيًا فرقًا هائلًا.
وإذا كانت إسرائيل تعيد رسم "خط أمني" جديد في الجنوب، فإن المعركة المقبلة لن تكون بالضرورة على عدد الجنود الإسرائيليين الموجودين داخل لبنان، بل على من يحدد شكل هذا الخط، ومن يضمنه، ومن يملك حق تجاوزه عندما يريد.
هنا تحديدًا يظهر غموض الرواية الإسرائيلية. وقد يكون هذا الغموض هو المقصود.
 

آخر الأخبار