إيران تعود من باب المفاوضات... والجنوب يدفع الثمن
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- لا تبدو جولة المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في واشنطن حدثاً منفصلاً عن التطورات الإقليمية المتسارعة. فالمعلومات المتقاطعة التي أعقبت التفاهمات الأميركية ـ الإيرانية الأخيرة توحي بأن لبنان انتقل من كونه ساحة مواجهة إلى كونه بنداً دائماً على طاولة التسويات الكبرى.
في الظاهر، تبحث المفاوضات في تثبيت وقف إطلاق النار، واستكمال الانسحابات الإسرائيلية، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني جنوباً. لكن في العمق، تبدو المسألة أكثر تعقيداً. فواشنطن التي كانت تتعامل مع الجنوب من خلال لجنة مراقبة تضم الولايات المتحدة وفرنسا ولبنان وإسرائيل، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد فرضته الحرب ونتائجها، يتمثل في عودة إيران إلى قلب المعادلة الإقليمية، سواء اعترف بذلك الأطراف علناً أم فضّلوا إبقاءه خلف الأبواب المغلقة.
ولعلّ أبرز ما أفرزته الأشهر الماضية أن أي ترتيبات أمنية طويلة الأمد في الجنوب لم تعد قابلة للحياة من دون أخذ العامل الإيراني في الاعتبار. فحزب الله، رغم الخسائر التي تكبدها، لا يزال يمثل الطرف الأكثر تأثيراً في المنطقة الحدودية، فيما لا تستطيع طهران تجاهل أن الجنوب اللبناني يبقى إحدى أهم أوراق نفوذها في الشرق الأوسط.
لكن ما يجري في واشنطن لا يعكس سوى جزء من المشهد. أما الجزء الآخر، فيقع بين بنت جبيل ومرجعيون والنبطية وصور، حيث تبدو نتائج الحرب أكثر وضوحاً من كل البيانات الدبلوماسية. هناك، لا يتحدث الناس عن اللجان والضمانات الدولية، بل عن منازل سويت بالأرض، وبلدات فقدت جزءاً كبيراً من سكانها، واقتصاد محلي أصابه الشلل، ومزارعين لم يعودوا إلى حقولهم بعد.
لقد نجحت الحرب في تغيير الجغرافيا البشرية والاقتصادية للجنوب أكثر مما نجحت في تغيير خرائط النفوذ العسكري. فبعد أشهر من المواجهات، لم تستطع إسرائيل إنهاء حضور حزب الله، لكنها نجحت في إحداث دمار هائل في البيئة الحاضنة له. وفي المقابل، لم يتمكن الحزب من منع هذا التدمير أو حماية القرى التي تحولت الى أرض محروقة تحت الاحتلال الفعلي.
ومن هنا تنشأ المعضلة اللبنانية الجديدة. فبينما تنشغل القوى الدولية والإقليمية برسم ترتيبات ما بعد الحرب، يواجه لبنان استحقاقاً أكثر صعوبة يتمثل في إعادة إعمار الجنوب وإعادة سكانه إليه. إذ لا قيمة لأي اتفاق أمني إذا بقيت القرى خالية، ولا معنى لأي لجنة مراقبة إذا استمر النزف الديموغرافي والاقتصادي.
لهذا السبب، قد لا تكون النتيجة الحقيقية لمفاوضات واشنطن مرتبطة بما سيُعلن عنها رسمياً، بل بما إذا كانت ستنجح في تحويل وقف إطلاق النار من هدنة هشة إلى استقرار فعلي يسمح بإطلاق ورشة إعادة إعمار واسعة. فالحروب تنتهي عادة عندما تتوقف المدافع، أما في لبنان، فإن الحرب لا تنتهي إلا عندما يعود الناس إلى بيوتهم.
وحتى ذلك الحين، سيبقى الجنوب عالقاً بين مسارين متوازيين، مسار تفاوضي يُرسم في العواصم البعيدة، ومسار يومي يعيشه أبناء القرى المهدمة الذين ينتظرون أن تتحول خرائط السياسة إلى مشاريع حياة.