Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
أخبارنا

البطريرك الحويك وحزب الله والفيدراليون: الجرأة ضرورية

إذا كان البطريرك الحويك قد خاض معركته من أجل قيام دولة اسمها لبنان، فإن معركة اللبنانيين اليوم لم تعد حول حدود هذه الدولة، بل حول من يملك قرارها.
البطريرك الحويك
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

 
أنطوان سلامه- لم يكن أهم ما رافق تطويب البطريرك الياس الحويك المشهد الكنسي المهيب في الديمان، على أهميته الرمزية، بل النقاشات السياسية والفكرية التي دارت على هامش المناسبة. فقد أعادت هذه المحطة إلى الواجهة السؤال القديم المتجدد حول الفكرة اللبنانية التي حملها الحويك، وحول المسؤولية عن الأزمة الوجودية التي يعيشها لبنان اليوم.
فالبلاد لم تصل إلى انهيارها الحالي نتيجة سبب واحد، بل بفعل تراكم عوامل معروفة، من استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية، وتحويل الجنوب، على امتداد عقود، إلى ساحة مواجهة إقليمية، ثم انهيار مؤسسات الدولة تحت وطأة الفساد والمحاصصة، وصولاً إلى تراجع قدرة الدولة على احتكار قرار السلم والحرب.
وفي خضم هذا الانهيار، عاد بعض الشباب المسيحي إلى طرح الفيدرالية أو أشكال متقدمة من اللامركزية باعتبارها مدخلاً لإعادة بناء الدولة. ويمكن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا الطرح، لكنه يبقى، حتى الآن، مشروعاً سياسياً يُناقش في إطار الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً، وليس مشروعاً يدعو إلى إلغاء لبنان الكبير أو استبداله بكيان آخر.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف عندها.
فالفكرة اللبنانية التي نادى بها البطريرك الحويك لم تكن موضع إجماع عند ولادتها. فقد عارضتها شخصيات سنية بارزة في مؤتمر الساحل، كما عارضتها شخصيات شيعية في مؤتمر وادي الحجير، فيما فضّل بعض الموارنة العودة إلى صيغة المتصرفية بدلاً من لبنان الكبير. ومع ذلك، انتصرت في النهاية فكرة الدولة اللبنانية، لأنها نجحت في التحول إلى اعتراف دولي وإطار دستوري جامع.
لذلك، فإن إعادة فتح النقاش حول شكل النظام السياسي ليست سابقة في التاريخ اللبناني، بل هي امتداد لنقاش رافق لبنان منذ تأسيسه. ويكفي التذكير بأن اتفاق الطائف نفسه أقر اللامركزية الإدارية الموسعة باعتبارها أحد عناصر إصلاح النظام، وإن بقي هذا البند معلقاً حتى اليوم.
لكن اللافت خلال الأيام التي رافقت تطويب الحويك، أن جزءاً من النقاش على وسائل التواصل الاجتماعي اتجه إلى التقليل من قيمة البطريرك الحويك أو تحميله مسؤولية "الخطأ التاريخي" في إنشاء لبنان الكبير، مستنداً إلى وقائع مبتورة، مثل مراسلاته مع السلطان العثماني أو البروتوكولات التي كانت تحكم علاقة البطريركية بالسلطة العثمانية، وكأن تلك العلاقات الدبلوماسية تنفي المشروع السياسي الذي ناضل من أجله لاحقاً في مؤتمر الصلح في باريس، أو كأن الموارنة تاريخيا رفضوا "الدولة العثمانية" مع معارضتهم لكثير من قراراتها.
واللافت أكثر أن جزءاً من النخب اللبنانية تعامل مع مجرد طرح الفيدرالية وكأنه الخطر الوجودي الأول على لبنان، فيما بدا أقل تشدداً تجاه قوى سياسية ما زالت تعلن انتماءات تتجاوز الدولة اللبنانية أو تجعلها جزءاً من مشروع إقليمي أو أممي أوسع.
وهنا يبرز السؤال الذي يصعب تجاوزه، هل يصبح مجرد اقتراح تعديل شكل النظام السياسي أخطر من وجود تنظيم يملك قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة؟
فالخلاف مع الفيدراليين هو خلاف حول صيغة إدارة الدولة، أما الخلاف مع حزب الله، كما يطرحه خصومه، فهو خلاف يتعلق بجوهر الدولة نفسها، أي باحتكارها للسلاح، وقرارها السيادي، وحدود سلطتها. ومنذ اتفاق القاهرة عام 1969 وصولاً إلى التجارب التي عاشها لبنان خلال العقود الأخيرة، أثبت التاريخ اللبناني أن تعدد مراكز القرار العسكري كان أحد أبرز أسباب إضعاف الدولة، مهما اختلفت الجهات التي امتلكت هذا القرار.
ولا يعني ذلك أن الفيدرالية هي الحل، ولا أنها تخلو من المخاطر أو الإشكاليات، فهي مشروع قابل للنقد والرفض، كما أن المدافعين عن الدولة المركزية يملكون حججاً دستورية وسياسية وازنة. لكن النقاش حولها يبقى نقاشاً سياسياً مشروعاً، لا يوازي، من حيث أثره العملي، واقع وجود قوة عسكرية مستقلة عن مؤسسات الدولة، تملك قراراً استراتيجياً ينعكس على اللبنانيين جميعاً.
فإذا كان بعض اللبنانيين يعتبر أن الفيدرالية تهدد إرث البطريرك الحويك، فمن المشروع أيضاً أن يُطرح السؤال نفسه على تجربة حزب الله، إلى أي مدى تنسجم عقيدة "الأمة" ومحور المقاومة الاسلامية، وامتلاك قرار الحرب، مع الدولة اللبنانية التي ناضل الحويك من أجل قيامها؟
إن الجرأة المطلوبة اليوم ليست في تخوين أصحاب الآراء، بل في اعتماد معيار واحد على الجميع. فمن يرفض أي مشروع يراه مهدداً لوحدة لبنان، عليه أن يطبق المعيار نفسه على كل مشروع أو ممارسة تضعف الدولة، سواء جاءت من دعاة الفيدرالية أو من أي قوة تملك سلطة موازية لسلطة الدولة.
في النهاية، لا يبدو تطويب البطريرك الحويك مجرد احتفال كنسي، بل مناسبة لإعادة طرح السؤال الذي رافق لبنان منذ ولادته، أي دولة أرادها الحويك؟ وهل تكمن خطورة المرحلة في الأفكار التي تُطرح للنقاش، أم في الوقائع التي فرضت نفسها على الأرض خلال العقود الماضية؟ فالتمييز بين من يناقش مستقبل النظام عبر الوسائل السياسية، ومن يفرض خياراته بقوة الأمر الواقع، هو المدخل الحقيقي لأي نقاش جدي حول مسؤولية ما وصل إليه لبنان اليوم.
بعد أكثر من مئة عام على إعلان لبنان الكبير، لم يعد السؤال إن كان الحويك قد أخطأ أو أصاب، بل من بقي أقرب إلى فكرته.
الفيدراليون يريدون، وفق طرحهم، إعادة النظر في كيفية إدارة لبنان، لكنهم لا ينكرون وجوده ولا حدوده الدولية. أما حزب الله، فالمشكلة التي يثيرها ليست في شكل النظام، بل في أن الدولة لم تعد المرجعية الوحيدة في قرارها السيادي، بعدما أصبح قرار الحرب والسلم، والارتباطات الاستراتيجية، يتجاوزان مؤسساتها الدستورية.
لذلك، فإن الإنصاف يقتضي اعتماد معيار واحد. فمن يرى في الفيدرالية خروجاً على إرث الحويك، عليه أن يسأل أيضاً إلى أي مدى ينسجم وجود قوة عسكرية وسياسية مستقلة عن الدولة مع المشروع الذي ناضل الحويك من أجله. فالجرأة الحقيقية لا تكون في مهاجمة الأفكار التي تُطرح للنقاش، بل في مواجهة الوقائع التي غيّرت طبيعة الدولة اللبنانية نفسها، وضربت الإجماع عليها أو الميثاقية في الصميم.

 

آخر الأخبار