الحويك يُطوَّب لأن فكرته اللبنانية هزمت الجميع
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
أنطوان سلامه- قد يختلف رجال الكنيسة والباحثون في اللاهوت حول الربط بين تطويب البطريرك إلياس الحويك ودوره السياسي في تأسيس "دولة لبنان الكبير". فالكنيسة الكاثوليكية لا تُعلن أحداً طوباوياً مكافأةً له على إنجاز سياسي، إذ يقوم التطويب على الاعتراف ببطولة الفضائل (Heroic Virtues) أو بالاستشهاد، وفق معايير روحية دقيقة. غير أنّ الوجدان اللبناني يصعب عليه الفصل بين الحويك القديس المحتمل، والحويك مؤسس "الفكرة اللبنانية" الحديثة، الأمر الذي يجعل قضيته من الحالات النادرة التي تتقاطع فيها القداسة مع تأسيس دولة.
يكاد البطريرك الحويك أن يكون الحالة الأكثر فرادة في تاريخ المطوّبين الكاثوليك. فقامته لا تستمد تميّزها من حضوره السياسي العابر، ولا من فضائله الروحية وحدها، على أهميتها، بل من كونه الأب الروحي لميلاد دولة. ومن هذه الزاوية وحدها، يمكن تشبيه أثره التاريخي، لا شخصه ولا مسار تطويبه، بشخصيات مؤسسة للدول مثل جورج واشنطن أو مصطفى كمال أتاتورك.
وتختلف حالة الحويك عن شخصيات كنسية ارتبطت قداستها بمواقف سياسية أو وطنية. فالكاردينال الكرواتي ألويسيوس ستيبيناتش غدا رمزاً لمواجهة النظام الشيوعي اليوغوسلافي، والكاردينال المجري يوزف ميندزنتي أصبح عنواناً لمقاومة الشيوعية في أوروبا الشرقية، فيما اقترن اسم المطران أوسكار أرنولفو روميرو بمواجهة الاستبداد في السلفادور حتى اغتياله أثناء القداس عام 1980، كما ارتبط البابا يوحنا بولس الثاني بدعمه التاريخي لحركة "تضامن" البولندية. أما الحويك، فلم يكتسب مكانته لأنه واجه سلطة سياسية فحسب، بل لأنه طرح مشروعاً لكيان جديد، ورسم أفقاً لدولة لم تكن موجودة.
وُلد هذا المشروع من قراءة سياسية واجتماعية لنتائج الحرب العالمية الأولى. فقد أدرك البطريرك الحويك أن المجاعة الكبرى كشفت حدود تجربة المتصرفية، على الرغم من نجاحاتها الإدارية والثقافية والمالية والعمرانية والسياسية وما أطلقته من نهضة تعليمية وفكرية وثقافية كان للمسيحيين دورهم الريادي فيها وفي الإبداع والحداثة، وأن جبل لبنان، بحدوده الضيقة والوعرة، لم يعد قادراً على تأمين مقومات الحياة والاستمرار. من هنا جاءت مطالبته بلبنان الكبير، انطلاقاً من قناعة بأن توسيع الكيان يشكّل ضمانة لجميع مكوّنات جبل لبنان، لا انتصاراً لفئة على أخرى، بل تأسيساً لدولة قابلة للتعايش وللحياة اقتصادياً وسياسياً. في العمق، أدرك الحويك أن المجاعة التي حصدت عشرات الآلاف من أبناء جبل لبنان، ولا سيما المسيحيين، كانت أقسى امتحان عرفه هذا الجبل منذ قرون، حتى إنها بدت في الذاكرة الجماعية أشد وطأة من عهود الاضطهاد والحملات العسكرية التي عاشتها الجماعات المسيحية في العهد المملوكي، ومن مظالم تعرّضت لها في مراحل من الزمن العثماني.
صحيح أنّ مشروعه قام تحت مظلة الانتداب الفرنسيّ، إلا أنّ الانتداب لم يكن بالنسبة إليه غاية بحد ذاته، بل وسيلة لولادة دولة لبنانية. لقد كانت "الفكرة اللبنانية" هي المشروع الحقيقي، لا الوصاية الأجنبية التي عارضها بشدة البطريرك أنطوان عريضة، فواجه، بالموقف والأداء، الاحتكارات الفرنسية.
ولم يكن الطريق إلى هذه الفكرة سهلاً. فقد واجه الحويك معارضة داخل البيئة المارونية نفسها، إذ تمسك عدد من الأساقفة والقيادات المدنية باستمرار نظام المتصرفية، انطلاقاً من نجاحه النسبي وضماناته الملموسة. كما اصطدم بقيادات إسلامية، سنية وشيعية، كانت ترى مستقبل لبنان ضمن مشروع عربي أوسع، سواء في الإطار الفيصلي أو في صيغ الوحدة العربية الناشئة آنذاك. لكنه تمسك برؤيته حتى نجحت، بينما أخفقت معظم مشاريع الوحدة التي نافستها لاحقاً.
بهذا المعنى، يبدو تطويب البطريرك الحويك، في الوعي الوطني، أقرب إلى إعادة الاعتبار للفكرة اللبنانية نفسها، أكثر منه مجرد تكريم لشخصية كنسية. فهو يأتي بعد نحو قرن على إطلاق مشروع الدولة، وفي لحظة تبدو فيها الحياة السياسية اللبنانية فقيرة في إنتاج الأفكار المؤسّسة، وعاجزة عن تقديم مشروع وطني جامع.
لقد تعرضت "الفكرة اللبنانية" لتصدعات متلاحقة منذ الحرب الأهلية، ثم ازدادت هشاشتها مع ازدواجية السلطة والسلاح، ومع تحوّل القرار الوطني إلى قرار موزّع بين الدولة وقوى أخرى. ومع ذلك، بقي الكيان الذي تصوّره الحويك الإطار الوحيد الذي تتحرك داخله الطروحات كافة، من اتفاق الطائف إلى اللامركزية الموسّعة، وصولاً إلى الفيدرالية، إذ إن أياً من هذه المشاريع لا يتجاوز حدود لبنان المعترف بها دولياً، أي لا يتخطى "الفكرة اللبنانية" بصيغ مختلفة.
وإذا كانت القومية العربية التي جعلت من القضية الفلسطينية عنوانها التعبوي الأبرز، قد تراجعت مع أفول نجم عبد الناصر وياسر عرفات وغيرهما، وإذا كان اليسار اللبناني لم ينجح في إنتاج بديل للدولة اللبنانية، وأخفق الإسلام السياسي، السني والشيعي، في تقديم نموذج قادر على بناء دولة حديثة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو، ما البديل الحقيقي عن "الفكرة اللبنانية"؟
يتسابق، الآن، كثيرون إلى تحميل "المارونية السياسية" مسؤولية أزمات لبنان كلّها، من دون قراءة نقدية متوازنة لمسؤوليات بقية القوى الطائفية والتيارات السياسية التي شاركت في إدارة الدولة أو تقويضها. كما يغفل هذا الخطاب أن لبنان، بكل عيوبه، عرف خلال مراحل طويلة مساحة من الحريات والتعددية والانفتاح والتفوّق، جعلته استثناءً في محيطه، وأن البدائل التي طُرحت باسم القومية أو الثورة أو الإسلام السياسي لم تنجح في بناء نموذج أكثر استقراراً أو أكثر ازدهاراً وخصوصيّة...
من هنا، لا يبدو تطويب البطريرك الحويك حدثاً كنسياً فحسب، بل مناسبة لإعادة طرح سؤال تأسيسي، هل كانت "الفكرة اللبنانية" التي آمن بها منذ قرن تقريباً أكثر صلابة من كلّ المشاريع التي حاولت تجاوزها؟
لقد أمضى خصوم "الفكرة اللبنانية" قرناً في نقدها، لكنهم لم يمضوا يوماً واحداً في تقديم بديل وطني أثبت نجاحه. فالمشاريع التي نافستها، من القومية العربية إلى اليسار الثوري وصولاً إلى الإسلام السياسي، انتهت إما إلى الفشل، وإما إلى الارتهان لمحاور خارجية. أما "الفكرة اللبنانية"، التي نادى بها الحويك، فما زالت، رغم كل ما أصابها، الإطار الوحيد الذي يلتقي داخله اللبنانيون عندما يبحثون عن دولتهم.