الرئيس جوزاف عون... ثلاث معارك واختبار واحد
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي-لم يعد "اتفاق الإطار" مجرد وثيقة لتنظيم العلاقة الأمنية والسياسية مع إسرائيل، بل تحول إلى نقطة فرز داخلية أعادت رسم المشهد السياسي اللبناني، ووضعت رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أمام أول اختبار استراتيجي منذ وصوله إلى قصر بعبدا.
ففي خلفية الاتفاق، تتبلور معالم اصطفافين سياسيين. الأول يلتقي حول رئيس الجمهورية، ويضم قوى تعتبر أن استعادة الدولة لقرارها الأمني والسيادي لم تعد خياراً سياسياً بل ضرورة وجودية، وفي مقدمها حزب القوات اللبنانية وحزب الكتائب وعدد من الشخصيات المستقلة من طوائف عدة، والأهم أنّ رئيس الحكومة نواف سلام وما يمثله سُنيّاً يقف صامداً في جبهته . أما الاصطفاف الثاني، فيقوده رئيس مجلس النواب نبيه بري ومعه حزب الله مدعوماً من وليد جنبلاط ، فيما يقف تيار المردة في دائرة التقاطع مع هذا التوجه، بينما لا يزال التيار الوطني الحر يتحرك داخل مساحة وسطية، محاولاً المحافظة على هامش مناورة يسمح له بإعادة التموضع وفق تطورات المرحلة.
لكن قراءة المشهد من زاوية الاصطفافات وحدها تبقى قاصرة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تحديد من يقف مع الاتفاق أو ضده، بل في معرفة كيف سيدير رئيس الجمهورية هذا الانقسام من دون أن يتحول إلى انقسام في الدولة نفسها.
فالعماد جوزاف عون لم يصل إلى الرئاسة من رحم الأحزاب التقليدية، بل من المؤسسة العسكرية التي تقوم على وحدة القرار والانضباط وتسلسل القيادة. أما الرئاسة اللبنانية فتعمل بمنطق مختلف تماماً؛ إذ لا توجد قيادة واحدة، بل توازنات طائفية وسياسية، ومراكز نفوذ متشابكة، وضغوط خارجية متعارضة، وسلاح خارج إطار الدولة يفرض معادلاته على الحياة السياسية.
ومن هنا يصبح السؤال: هل يستطيع قائد نجح في الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية خلال سنوات الانهيار الاقتصادي والسياسي أن ينجح أيضاً في إدارة دولة تتنازعها مشاريع الداخل والخارج؟
ولا تقتصر معركة الرئيس على الساحة الداخلية، بل تمتد إلى ثلاث جبهات متزامنة.
الجبهة الأولى داخلية، حيث سيكون مطالباً بالحفاظ على الحد الأدنى من التوافق الوطني، ومنع تحول الخلاف حول اتفاق الإطار إلى مواجهة بين المؤسسات الدستورية أو إلى انقسام طائفي يعيد إنتاج أزمات عاشها لبنان في محطات سابقة.
أما الجبهة الثانية، فهي مع إسرائيل، إذ إن أي اتفاق لا يلغي حقيقة استمرار الاحتلال في نقاط حدودية، ولا ينهي احتمالات التصعيد العسكري. وهنا سيكون على رئيس الجمهورية أن يوازن بين التمسك بالسيادة اللبنانية وبين تجنب الانزلاق إلى حرب جديدة لا يحتملها لبنان.
أما الجبهة الثالثة، فهي الأكثر تعقيداً، لأنها تمتد خارج الحدود. فواشنطن والعواصم الغربية والعربية تنظر إلى الاتفاق باعتباره مدخلاً لإعادة بناء الدولة اللبنانية، فيما تراقب إيران وحلفاؤها كيفية انعكاسه على موقع حزب الله ودوره. وسيكون على رئيس الجمهورية أن يحافظ على شبكة علاقات خارجية واسعة، من دون أن يظهر وكأنه ينحاز إلى محور على حساب آخر.
في هذا المشهد، قد تتحول شخصية جوزاف عون إلى أحد عناصر القوة الأساسية. فهو يميل إلى الهدوء، ويتجنب الخطابات التصعيدية، ويعتمد أسلوب التفاوض أكثر من المواجهة الكلامية، كما راكم خلال قيادته للجيش خبرة في التعامل مع المؤسسات الدولية والدول الكبرى، وأثبت قدرة على إدارة ملفات شديدة الحساسية بعيداً عن الانفعال.
غير أن السياسة تختلف عن المؤسسة العسكرية. ففي الجيش، تُنفذ الأوامر ضمن تسلسل قيادي واضح، أما في الحكم، فكل قرار يحتاج إلى تفاهمات وتسويات وحسابات معقدة، وقدرة على استيعاب تناقضات يصعب جمعها تحت سقف واحد.
ولهذا، فإن المرحلة المقبلة لن تكون امتحاناً لاتفاق الإطار وحده، بل ستكون امتحاناً لرئاسة جوزاف عون نفسها. فنجاحه لن يقاس فقط بقدرته على تنفيذ بنود الاتفاق، بل بمدى تمكنه من منع انقسام اللبنانيين حوله، والحفاظ على الدولة مرجعية وحيدة في لحظة تتقاطع فيها الضغوط الإقليمية والدولية مع الانقسامات الداخلية.
الرؤساء في لبنان لا يصنعهم الاستقرار، بل الأزمات. وإذا كان اتفاق الإطار قد فتح الباب أمام مرحلة سياسية جديدة، فإن التاريخ سيحكم على جوزاف عون ليس بوصفه قائد الجيش السابق، بل بوصفه رئيس الجمهورية الذي وجد نفسه أمام أخطر مفترق عرفه لبنان منذ عقود، دولة تحاول استعادة قرارها، في مواجهة قوى داخلية متعارضة، وإقليم يغلي على حدوده.