الشيباني في بيروت: رسائل إلى الجميع
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي-لم تكن زيارة وزير الخارجية السوري إلى بيروت مجرد محطة دبلوماسية، بل جاءت في لحظة إقليمية تعاد فيها صياغة موازين القوى في المشرق. وبينما يمر لبنان بمرحلة إعادة ترتيب أولوياته الداخلية والخارجية، حملت الزيارة رسائل مختلفة إلى قوى متناقضة: من الرئيس نبيه بري وحزب الله، إلى القوات اللبنانية والكتائب، مروراً بوليد جنبلاط والقيادات السنية. والرسالة الأهم أن دمشق الجديدة تريد أن تقول إنها تسعى إلى علاقة مع الدولة اللبنانية بكل مكوناتها، لا مع فريق واحد كما كان الحال في مراحل سابقة.
تزامنت الزيارة مع إعادة تشكيل الإقليم على وقع تفاهمات وصراعات جديدة، ولبنان يعيش بدوره مرحلة إعادة تعريف لعلاقاته الخارجية، فيما تحاول سوريا، بعد سنوات الحرب والعزلة، إعادة تموضعها عربياً وإقليمياً.
ولعل أبرز ما ميّز الزيارة أنها لم تستهدف فريقاً لبنانياً دون آخر، بل بدت محاولة سورية لمخاطبة جميع القوى السياسية، بمن فيهم الخصوم التقليديون. وكأن دمشق أرادت أن تقول إن سياستها تجاه لبنان لم تعد تقوم على التحالف مع محور في مواجهة آخر، بل على الانفتاح على مختلف المكونات، انطلاقاً من أن استقرار لبنان يمثل مصلحة سورية مباشرة.
الرسالة الأولى كانت موجهة إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري وإلى حزب الله. فالعلاقة التي جمعت دمشق بهذين الطرفين على مدى عقود لا تزال تشكل ركناً أساسياً في المشهد السياسي، إلا أن سوريا الجديدة تبدو حريصة على التأكيد أن هذه العلاقة لم تعد تعني احتكار التواصل معها. فدمشق تدرك أن لبنان دخل مرحلة جديدة، وأن أي دور مستقبلي لها لن يكون قابلاً للحياة إذا بقي محصوراً في محور سياسي واحد، وفي هذا السياق تخطت سوريا الجديدة مرحلة انغماس حزب الله في عنف الحرب الأهلية في أراضيها مع شيء من الحذر.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن حزب الله نفسه يمر بمرحلة مراجعة قسرية فرضتها التحولات العسكرية والسياسية الأخيرة، وما رافقها من نقاش داخلي وخارجي حول مستقبل سلاحه ودوره. ومن هنا، يمكن فهم حرص دمشق على إبقاء خطوط التواصل مفتوحة مع الحزب، ولكن ضمن مقاربة تعطي الأولوية للعلاقة بين الدولتين، لا لإدارة التوازنات اللبنانية من خلال الحلفاء وحدهم.
في المقابل، حملت الزيارة رسالة واضحة إلى القوات اللبنانية وحزب الكتائب، اللذين ارتبط تاريخهما السياسي بمعارضة الدور السوري في لبنان. فاللقاءات معهما لم تكن مجرد خطوة بروتوكولية، بل إقراراً متبادلاً بأن مرحلة القطيعة المطلقة لم تعد تخدم أحداً. فسوريا تحتاج إلى علاقات طبيعية مع مختلف القوى اللبنانية، كما أن القوى المسيحية المعارضة تاريخياً لسوريا تدرك أن الجغرافيا والمصالح الاقتصادية والأمنية تجعل التواصل مع دمشق أمراً لا يمكن تجاهله، مهما بقيت الخلافات السياسية عميقة.
أما الرسالة التي وجهت إلى المكوّن الدرزي، فقد اكتسبت أهمية خاصة لأنها جاءت بعد زيارة وليد جنبلاط إلى دمشق، والتي اعتبرها كثيرون مؤشراً إلى بداية صفحة جديدة بين المختارة والسلطة السورية. فالزعيم الدرزي، المعروف بقدرته على استشراف التحولات الإقليمية، بدا وكأنه قرأ مبكراً أن سوريا تدخل مرحلة مختلفة، وأن من مصلحة الدروز في لبنان وسوريا الحفاظ على قنوات الحوار مع الدولة السورية.
من جهتها، أرادت دمشق أن تبعث بإشارة واضحة إلى الدروز، مفادها أنها تنظر إليهم بوصفهم شريكاً في الاستقرار، لا طرفاً في صراع النفوذ. وتزداد أهمية هذه الرسالة في ضوء ما شهدته محافظة السويداء من توترات دامية خلال السنوات الأخيرة، وما ولدته من مخاوف لدى الدروز في سوريا ولبنان. لذلك، فإن إعادة التواصل مع جنبلاط لا تقتصر على بعدها اللبناني، بل ترتبط أيضاً بمحاولة بناء تفاهمات أوسع حول استقرار الجنوب السوري والجبل اللبناني.
كذلك، لم تغب الساحة السنية عن حسابات الزيارة. فمنذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تبعه من توتر حاد في العلاقات السورية – السنية، بقيت الهوة واسعة بين دمشق وشريحة كبيرة من القيادات والبيئة السنية في لبنان. ومن هنا، حاول الشيباني أن يبعث برسالة مفادها أن سوريا الجديدة لا تسعى إلى استعادة انقسامات الماضي، ولا إلى التعامل مع الطائفة السنية من منطلق الخصومة السياسية، بل إلى بناء علاقات طبيعية مع جميع المكونات اللبنانية على أساس المصالح المشتركة واحترام سيادة الدول.
لكن الرسائل لم تكن موجهة إلى الداخل اللبناني وحده، بل أيضاً إلى الخارج. فمن خلال انفتاحه على مختلف القوى، أراد الشيباني أن يقدم صورة مختلفة عن سوريا، قوامها أن دمشق لم تعد تسعى إلى إدارة الحياة السياسية اللبنانية أو الإمساك بخيوطها كما في العقود السابقة، بل إلى إقامة علاقة مؤسساتية مع الدولة اللبنانية. وهي رسالة موجهة كذلك إلى الدول العربية التي أعادت فتح قنوات التواصل مع سوريا، وإلى العواصم الغربية التي تراقب مسار التحولات السورية وعلاقتها بجوارها.
غير أن نجاح هذه المقاربة يبقى رهناً بقدرة دمشق على ترجمة خطابها إلى سياسات عملية. فالذاكرة اللبنانية ما زالت مثقلة بمحطات مؤلمة، من سنوات الوصاية السورية إلى الانقسامات التي أعقبت عام 2005، ولا يمكن تجاوزها بمجرد زيارات رسمية أو بيانات دبلوماسية. كما أن اللبنانيين أنفسهم مطالبون بإعادة النظر في مقارباتهم، والتمييز بين رفض الوصاية على قرارهم الوطني وبين بناء علاقة طبيعية مع دولة جارة لا يمكن تغيير موقعها الجغرافي ولا تشابك مصالحها مع لبنان.
وتكتسب هذه الزيارة أهمية إضافية لأنها تأتي في ظل إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، من المفاوضات الأميركية – الإيرانية، إلى التحولات في الموقف العربي من دمشق، وصولاً إلى الاتفاق الإطاري الأخير بين لبنان وإسرائيل وما أثاره من أسئلة حول مستقبل الجنوب ودور القوى المسلحة. ففي مثل هذا المناخ، تبدو سوريا حريصة على تثبيت حضورها السياسي في لبنان، ولكن عبر أدوات مختلفة عن تلك التي اعتمدتها في الماضي.
وفي المحصلة، تبدو زيارة أسعد الشيباني محاولة لفتح صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية – السورية، تقوم على مخاطبة جميع القوى اللبنانية بلا استثناء: نبيه بري وحزب الله، والقوات اللبنانية والكتائب، ووليد جنبلاط، والقيادات السنية، وسائر المكونات السياسية. ويبقى السؤال الجوهري: هل تنجح دمشق في إقناع اللبنانيين بأنها غيّرت فعلاً نهجها، أم أن ثقل الماضي سيبقى أقوى من رسائل الحاضر؟ الإجابة لن تقدمها الكلمات، بل السلوك السياسي الذي ستعتمده سوريا في تعاملها مع لبنان خلال المرحلة المقبلة.
والأهم في زيارة الشيباني أنّها تتزامن مع التحولات التي يشهدها محور الممانعة بعد الحرب الأخيرة، وبالتراجع النسبي للدور الإيراني في كل من سوريا ولبنان، بما يفسر سبب سعي دمشق إلى نسج علاقات متوازنة مع جميع القوى اللبنانية بدلاً من الاكتفاء بحلفائها التقليديين أو بحلفائها الطبيعيين في صيغ من الشبكات الطائفية.