المفاوضات تُستأنف لكن الثقة بها تتراجع مع غياب قوة الردع
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- يبدو المشهد اللبناني للوهلة الأولى كأنه يتحرك في اتجاهين متناقضين، استئناف المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، من خلال اجتماعات على مستوى السفيرين، تمهيداً لانتقالها إلى مستوى الوفدين، في وقت تبدو فيه الأوضاع على الأرض في الجنوب وكأنها تدفع في الاتجاه المعاكس تماماً.
لكن المفارقة ليست في عودة المفاوضات، بل في الظروف التي تعود فيها.
فلا أحد يستطيع أن يتعامل مع التفاوض اللبناني ـ الإسرائيلي باعتباره خياراً ترفياً أو بديلاً يمكن تأجيله. التفاوض، في ظل ميزان القوى القائم، يبقى الطريق الأقل كلفة والأكثر عقلانية لتجنب الحرب الواسعة، وربما الطريق الوحيد المتاح للدولة اللبنانية لكي تحاول استعادة المبادرة السياسية. لكن الاعتراف بحتمية التفاوض لا يعني الاعتقاد بأن المفاوضات ستؤدي حكماً إلى اتفاق.
وهنا تكمن صعوبة المرحلة.
فالمفاوضات تُستأنف فيما يستمر الضغط الإسرائيلي في الجنوب، وتتغير الوقائع الميدانية بوتيرة تجعل أي تفاوض لبنانياً محكوماً بسؤال أساسي،ماذا يستطيع لبنان أن ينتزع من على الطاولة، فيما تتشكل بعض شروط التفاوض على الأرض في ظل غياب أي قوة ردع عسكرية من الجانب اللبناني؟
ولذلك ليس مستغرباً أن يبدو رئيس الجمهورية جوزاف عون نفسه حذراً في مقاربة نتائج هذا المسار. فالدولة اللبنانية تحتاج إلى التفاوض، لكنها لا تستطيع أن تمنح اللبنانيين انطباعاً بأن مجرد الجلوس إلى الطاولة يعني أن التسوية أصبحت قريبة، أو أن إسرائيل مستعدة تلقائياً للعودة إلى حدود تفاوضية متكافئة.
إن التفاوض ليس ضمانة للنجاح، لكنه يبقى ضرورة لتجنب الأسوأ.
وفي المقابل، تبدو الجبهة الداخلية أكثر تعقيداً.
فالرئيس نبيه بري يتحدث من موقع شديد التشاؤم، أما حزب الله، فيبدو أنه يذهب أبعد من مجرد الاعتراض على مضمون التفاوض أو شروطه. فقد أصبح جزء من خطابه موجهاً بصورة مباشرة ضد الدولة اللبنانية، فيما بدأت تظهر في مواقف عدد من قياداته مفردات مذهبية أكثر قوة ووضوحاً.
ومن هنا تبدو المفارقة اللبنانية أكثر وضوحاً، فالدولة تجد نفسها مضطرة إلى التفاوض لأنها لا تريد الحرب، فيما يزداد التشكيك الداخلي بهذا التفاوض، وإسرائيل تدخل الطاولة وهي تستند إلى وقائع عسكرية على الأرض، والثنائي الشيعي يتمسك بشروطه، فيما يتصاعد الخطاب السياسي والمذهبي حول دور الدولة وسلاح المقاومة.
لكن كل ذلك لا يجعل التفاوض خطأ.
على العكس، ربما يجعل التفاوض أكثر ضرورة.
تُستأنف المفاوضات إذاً، لكن القضية اللبنانية الحقيقية لا تزال في مكان آخر: كيف يصبح لبنان قادراً على التفاوض كدولة، لا كجبهة داخلية مفتوحة على أكثر من قرار؟