Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
أخبارنا

المنطقة التجريبية... الامتحان الأول للجيش

بين ضغوط إسرائيل واعتراض حزب الله، يبدأ الجيش اللبناني أول اختبار ميداني لفرض سلطة الدولة وقياس قابلية اتفاق الإطار للحياة.
الجيش اللبناني
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

المحرر السياسي- لم يعد اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل يقاس بما كُتب في بنوده، بل بما سيحدث على الأرض. ومع اقتراب تنفيذ ما بات يعرف بـ"المنطقة التجريبية"، يدخل الاتفاق مرحلته الأكثر حساسية، حيث تنتقل المفاوضات من غرف التفاوض إلى الميدان، ويتحول الجيش اللبناني إلى اللاعب الرئيسي في امتحان بالغ التعقيد سياسياً وأمنياً.
فالمنطقة التجريبية لا تمثل مجرد انتشار عسكري جديد، بل تشكل النموذج الأول الذي سيحدد ما إذا كان الاتفاق قابلاً للحياة أم أنه سيتعثر عند أول احتكاك بين القوى المتصارعة. وهنا يجد الجيش اللبناني نفسه للمرة الأولى في قلب معادلة شديدة التعقيد، يتحرك داخل مساحة سياسية مزدحمة بالألغام أكثر منها بالجغرافيا.
فالجيش سيواجه من جهة إسرائيل التي ما تزال تتعامل بتردد واضح مع الانسحاب الكامل، وتحاول الاحتفاظ بهامش واسع من المناورة العسكرية والأمنية، رغم الضغوط الأميركية المتزايدة لدفعها إلى تنفيذ الالتزامات الواردة في الاتفاق. ومن جهة ثانية، يقف حزب الله الذي أعلن رفضه الصريح لاتفاق الإطار، واعتبره مشروعاً يستهدف سلاحه ودوره العسكري، مؤكداً رفضه أي مسار يؤدي إلى تسليم هذا السلاح للدولة.
وبين هذين الطرفين، يتحمل الجيش اللبناني مسؤولية تثبيت سلطة الدولة في واحدة من أكثر المناطق اللبنانية حساسية، من دون أن يتحول إلى طرف في الصراع أو إلى قوة تصطدم بأحد الفريقين.
وتكمن أهمية فكرة "المنطقة التجريبية" في أنها صُممت أساساً لتكون محدودة جغرافياً، بما يسمح باختبار آليات التنفيذ قبل تعميمها على مناطق أوسع. فالجيش لن ينتشر على امتداد الجنوب دفعة واحدة، بل سيباشر مهمته داخل رقعة محددة، ما يمنحه قدرة أكبر على السيطرة وإدارة المخاطر، ويحمي المؤسسة العسكرية من أي مغامرة قد تمس بهيبتها أو صدقيتها إذا تعثر التنفيذ.
وفي المقابل، فإن محدودية المنطقة لا تعني سهولة المهمة. فالجيش سيكون مطالباً بمنع أي خرق أمني، سواء أتى من الجانب الإسرائيلي أو من الداخل اللبناني. فإذا أقدمت إسرائيل على تجاوز الخطوط المتفق عليها أو تنفيذ عمليات داخل المنطقة، فإن ذلك سيضع الجيش أمام اختبار سيادي وسياسي بالغ الحساسية، أو حتى الى الردع العسكري. وإذا ظهرت مواقع أو نشاطات مخالفة لما ينص عليه الاتفاق داخل القرى، فإن المؤسسة العسكرية ستكون مطالبة بالتعامل معها وفق القانون اللبناني، وبالاستناد إلى صلاحياتها القانونية، بعيداً من أي منطق سياسي أو تفاهمات غير معلنة، ولا يمكن القفز فوق احتمالات تنفيذ القانون بالردع المشروع أيضا.
وتشير المعطيات إلى أن الجيش سيعتمد في هذه المهمة مقاربة قانونية أكثر منها سياسية، بحيث يصبح تطبيق القانون المرجعية الوحيدة في معالجة أي مواقع أو أماكن مدنية يشتبه في استخدامها لأغراض عسكرية، في محاولة لتجنيب المؤسسة الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع البيئة المحلية.
ولا تبدو المؤسسة العسكرية معزولة سياسياً عن هذا المسار، بل تدخله مستندة إلى دعم واضح من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي منح الجيش دوراً واسعاً في إعداد الترتيبات الأمنية لاتفاق الإطار، مستفيداً من خبرته الطويلة في قيادة المؤسسة العسكرية ومعرفته الدقيقة بواقع الجنوب وتعقيداته. ويُنظر إلى هذا الغطاء السياسي باعتباره أحد عناصر القوة التي يحتاجها الجيش لإنجاح المهمة.
وتكشف المعلومات أن المنطقة التجريبية التي طُرحت خلال الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في روما تشمل بلدات زوطر الغربية وفرون والغندورية وقلاويه وبرج قلاويه وصريفا. ويكتسب هذا الاختيار أهمية خاصة، لأن صريفا تقع على بعد نحو خمسة كيلومترات من أقرب نقطة تتمركز فيها القوات الإسرائيلية في وادي الحجير، كما أنها لم تشهد أي توغل إسرائيلي منذ انكفاء الجيش الإسرائيلي إلى الشريط الحدودي عام 1985، وصولاً إلى الانسحاب الكامل عام 2000، ما يجعلها منطقة مناسبة لاختبار قدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها بعيداً من تماس مباشر مع القوات الإسرائيلية.
لكن نجاح هذه التجربة لن يقاس بعدد الجنود المنتشرين أو بنقاط المراقبة التي ستقام، بل بقدرة الجيش على الحفاظ على التوازن الدقيق بين تطبيق الاتفاق ومنع الانزلاق إلى مواجهة مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه فرض سلطة الدولة من دون الاصطدام المباشر بحزب الله. وإذا نجحت المنطقة التجريبية، فإنها قد تتحول إلى نموذج يمكن تعميمه تدريجياً على بقية المناطق جنوب الليطاني، أما إذا تعثرت، فإنها قد تكشف منذ البداية حدود اتفاق الإطار وصعوبة تحويله من تفاهم سياسي إلى واقع ميداني مستقر.

ولا يقتصر نجاح الجيش على حسن إدارة الانتشار الميداني، بل يتطلب أيضاً إدارة معركة الرأي العام. فالمؤسسة العسكرية ستعمل في بيئة تعج بالشائعات والحرب النفسية والتسريبات المتناقضة، ما يفرض عليها الانتقال من سياسة الصمت والبيانات المقتضبة إلى استراتيجية إعلامية أكثر انفتاحاً واحترافية. فوجود متحدث عسكري يقدّم إحاطة يومية للرأي العام، يشرح الوقائع ويرد على الشائعات ويضع المواطنين أمام الحقائق، لم يعد ترفاً إعلامياً بل ضرورة عملياتية لحماية المهمة نفسها. كما أن فتح قنوات تواصل منتظمة مع الصحافيين عبر مؤتمرات أو لقاءات دورية يعزز الشفافية، ويمنع الفراغ المعلوماتي الذي غالباً ما تملؤه الروايات المتضاربة. ففي التجارب العسكرية الحديثة، لا تُدار العمليات بالسلاح وحده، بل أيضاً بالمعلومة الموثوقة والقدرة على كسب ثقة المواطنين.

 

آخر الأخبار