ايران تحرك وحدة الساحات فهل يعود حزب الله الى الحرب؟
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- لم تعد الحرب الإقليمية محصورة بجبهة واحدة أو خصمين محددين، بل أخذت تتسع تدريجياً لتشمل أطرافاً كانت حتى وقت قريب تفضّل إدارة الصراع من الخلف. فبعد دخول فصائل شيعية عراقية موالية لإيران على خط المواجهة عبر استهداف المملكة العربية السعودية، وما أعقب ذلك من رد سعودي، بالتوازي مع استمرار المواجهة المفتوحة بين الرياض والحوثيين في اليمن، عاد إلى الواجهة سؤال قديم يتجدد مع كل تصعيد، هل يعود "حزب الله" اللبناني إلى الانخراط المباشر في ما يُعرف بـوحدة الساحات، أم أنّ حساباته اللبنانية والإقليمية ستبقيه خارج الجولة الحالية بعدما وجهت اليه إسرائيل ضربات قاسية.
هذا السؤال لا يتعلق بالحزب وحده، بل بالهندسة الإقليمية التي بنتها إيران على مدى أكثر من أربعة عقود. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية، لم تقتصر استراتيجيتها على بناء علاقات مع الحكومات، بل استثمرت في إنشاء قوى عسكرية عقائدية موازية للدول، تمتلك استقلالاً تنظيمياً وتسليحياً وسياسياً، مع احتفاظها بروابط وثيقة بطهران.
في لبنان، تحول "حزب الله" من تنظيم مقاوم إلى قوة عسكرية تتجاوز قدرات الدولة نفسها في مجالات عدة، وأصبح لاعباً أساسياً في رسم معادلات الأمن والسياسة. وفي العراق، برزت الفصائل المسلحة التي تندرج ضمن "الحشد الشعبي" أو خارجه، محتفظة بقدرات عسكرية ونفوذ سياسي يتجاوز في أحيان كثيرة سلطة الحكومة المركزية. أما في اليمن، فقد استطاع الحوثيون فرض أنفسهم قوة حاكمة في جزء كبير من البلاد، وأصبحوا يمتلكون ترسانة صاروخية وطائرات مسيّرة جعلتهم لاعباً إقليمياً يتجاوز حدود الأزمة اليمنية.
ورغم اختلاف الظروف المحلية لكل دولة، فإن النموذج يكاد يكون واحداً، دولة ضعيفة أو منقسمة، ومؤسسات تعاني هشاشة سياسية وأمنية، وقوة عسكرية عقائدية تمتلك قرارها العملياتي، وتربطها بإيران علاقات استراتيجية تتجاوز الاعتبارات الوطنية الضيقة. لذلك لم تعد هذه التنظيمات مجرد حلفاء لطهران، بل أصبحت جزءاً من منظومة ردع إقليمية متشابكة، تستطيع إيران تفعيل بعض حلقاتها أو تجميدها وفقاً لمقتضيات الصراع.
من هنا يكتسب مفهوم "وحدة الساحات" أهمية خاصة. فهذا المفهوم لم يكن مجرد شعار إعلامي، بل محاولة لبناء معادلة تقوم على أن أي مواجهة مع أحد أطراف هذا المحور يمكن أن تستدعي تدخلاً من ساحات أخرى، بما يوزع الضغوط العسكرية والسياسية على الخصوم. إلا أن التجربة الأخيرة كشفت أيضاً حدود هذه النظرية.
فعندما دخل "حزب الله" الحرب دعماً لقطاع غزة، وجد نفسه، مع مرور الوقت، في مواجهة عسكرية مكلفة مع إسرائيل، بينما بقيت مساهمة بقية الأذرع متفاوتة من حيث الحجم والتوقيت، الأمر الذي دفع كثيرين إلى التساؤل عما إذا كانت "وحدة الساحات" تعمل وفق مبدأ التضامن المتبادل، أم وفق حسابات منفصلة لكل ساحة.
واليوم، ومع اتساع دائرة الاشتباكات لتشمل العراق واليمن بصورة أوضح، يعود السؤال في الاتجاه المعاكس، هل تشهد المرحلة المقبلة انخراطاً أكبر لـحزب الله باعتبار أن حلفاءه دخلوا المواجهة، أم أن الحزب، بعد الخسائر التي تكبدها خلال الأشهر الماضية، سيحاول تجنب فتح جبهة جديدة قد تزيد الضغوط على لبنان؟
الإجابة لا ترتبط فقط بقرار الحزب، بل أيضاً بحسابات إيران نفسها. فطهران تدرك أن لكل ساحة خصوصيتها، وأن استخدام جميع أوراقها في توقيت واحد قد يحقق تأثيراً عسكرياً آنياً، لكنه قد يفضي أيضاً إلى استنزاف متزامن لكل أدوات نفوذها في المنطقة. لذلك تبدو إدارة التصعيد أكثر تعقيداً من مجرد إصدار قرار موحد لجميع الحلفاء.
لكن بعيداً عن التطورات العسكرية، تفرض هذه الأحداث سؤالاً آخر لا يقل أهمية، ماذا بقي من سيادة الدول التي تنتشر فيها هذه التشكيلات المسلحة؟
في لبنان، لا تزال الدولة تواجه صعوبة في احتكار قرار الحرب والسلم. وفي العراق، تعلن الحكومات المتعاقبة التزامها بحصر السلاح بيد الدولة، لكنها تصطدم بواقع نفوذ الفصائل المسلحة سياسياً وأمنياً. وفي اليمن، تبدو الحكومة المعترف بها دولياً عاجزة عن فرض سلطتها على كامل الأراضي في ظل استمرار سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من البلاد.
وهكذا، لا تبدو الأزمة محصورة في احتمال دخول حزب الله أو عدم دخوله في جولة جديدة من الصراع، بل في النموذج الذي أنتجته المنطقة خلال العقود الماضية كدول ذات سيادة منقوصة، وجيوش نظامية تتقاسم النفوذ مع تشكيلات مسلحة، وقرارات استراتيجية تتجاوز أحياناً المؤسسات الدستورية.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً، هل تملك الحكومات في لبنان والعراق واليمن القدرة السياسية والعسكرية على تفكيك هذا الواقع وإعادة احتكار الدولة لقرار القوة؟ حتى الآن، لا توحي الوقائع بذلك. فهذه الحكومات تعاني انقسامات داخلية، وأزمات اقتصادية، وتوازنات سياسية تجعل أي مواجهة مع القوى المسلحة محفوفة بالمخاطر. لذلك يبدو أن مستقبل هذه الأذرع لن تحدده الإرادة المحلية وحدها، بل أيضاً مآلات الصراع الإقليمي نفسه، لأن مصيرها ظل، منذ نشأتها، مرتبطاً بموازين القوى خارج حدود دولها بقدر ارتباطه بداخلها.