Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
أخبارنا

بين الجنوب والحرب الأهلية... إسرائيل تحمل إلى روما ملف اليهود اللبنانيين

.بينما يذهب لبنان إلى روما حاملاً مطالب تتصل بالاحتلال الإسرائيلي، تحاول إسرائيل أن تحمل إلى الطاولة ملفاً يعود إلى الحرب الأهلية اللبنانية
يهود لبنان
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

المحرر السياسي- كشف الزميل بيير غانم، في تقرير نشرته "العربية" تحت عنوان "مفاوضات روما.. لبنان يريد انسحابات وإسرائيل تريد جثث يهود لبنانيين"(٣ آب ٢٠٢٦)، عن أحد أكثر البنود حساسية في المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل. فإلى جانب الملفات التقليدية المتعلقة بالانسحاب من الأراضي اللبنانية، وإطلاق المعتقلين، واستعادة الجثامين، أشار التقرير إلى أن إسرائيل أعدّت ملفات تتعلق بيهود لبنانيين اختفوا خلال الحرب الأهلية، وتطالب بكشف مصيرهم واستعادة رفاتهم.
وبحسب المعلومات المنشورة، فإن اللائحة تضم رئيس الطائفة اليهودية في لبنان إسحاق ساسون، والأمين العام للطائفة سليم جاموس، وعدداً من أفراد عائلات ساسون وحلّاق وسرور وطرّاب وبن أتسي، ممن اختفوا في بيروت الغربية خلال ثمانينيات القرن الماضي، في مرحلة كانت تشهد سيطرة قوى لبنانية مسلحة على تلك المنطقة.
تكمن أهمية هذه المعلومات في أنها تكشف أن مفاوضات روما لم تعد تقتصر على معالجة آثار الحرب الأخيرة بين لبنان وإسرائيل، بل دخل إليها، للمرة الأولى بهذا الوضوح، ملف يعود إلى الحرب الأهلية اللبنانية نفسها. وهنا لا يعود السؤال سياسياً فقط، بل يصبح قانونياً وسيادياً في آن واحد، فهل يحق لإسرائيل أن تفاوض الدولة اللبنانية على مصير مواطنين لبنانيين اختفوا داخل الأراضي اللبنانية خلال الحرب الأهلية؟ أم أن هذا الملف، مهما كانت مأساته الإنسانية، يبقى جزءاً من الاختصاص الحصري للدولة اللبنانية، ويحكمه القانون اللبناني ومبادئ السيادة التي يكرسها القانون الدولي؟
قد يبدو هذا المطلب، للوهلة الأولى، إنسانياً، لأن معرفة مصير أي مفقود حق تكفله المبادئ الإنسانية والقانون الدولي. إلا أن المشكلة لا تكمن في الهدف، بل في الإطار القانوني الذي يُطرح من خلاله. فإسرائيل لا تطالب باستعادة مواطنين إسرائيليين اختطفوا في نزاع بين دولتين، بل تتحدث عن أشخاص كانوا مواطنين لبنانيين، اختفوا داخل الأراضي اللبنانية خلال الحرب الأهلية، شأنهم شأن آلاف اللبنانيين الذين ما زال مصيرهم مجهولاً حتى اليوم.
وهنا يبدأ الفرق الجوهري.
فمن الناحية القانونية، لا يشكل هذا الملف جزءاً من النزاع اللبناني–الإسرائيلي، بل يدخل ضمن الاختصاص السيادي للدولة اللبنانية. فالجرائم التي ارتُكبت على الأراضي اللبنانية، خلال الحرب الأهلية، بحق مواطنين لبنانيين، تبقى، من حيث الأصل، شأناً داخلياً يخضع للقانون اللبناني ولمؤسسات الدولة اللبنانية، ولا يتحول إلى ملف تفاوض بين دولتين، مهما كانت هوية الضحايا الدينية.
ويكرّس القانون الدولي هذا المبدأ من خلال قاعدة الاختصاص الإقليمي (Territorial Jurisdiction)، التي تمنح الدولة وحدها حق التحقيق في الجرائم الواقعة على أراضيها وملاحقتها، كما يكرّس مبدأ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، والذي يمنع تحويل الملفات الداخلية إلى أوراق تفاوض خارجي إلا برضا الدولة صاحبة الاختصاص.
أما على المستوى اللبناني، فقد أقرّ المجلس النيابي القانون رقم 105 الصادر عام 2018 بشأن المفقودين والمخفيين قسراً، وهو قانون اعترف للمرة الأولى بحق جميع عائلات المفقودين في معرفة الحقيقة، وأنشأ هيئة وطنية مستقلة تتولى البحث والكشف عن مصيرهم، وجمع المقابر الجماعية، وإجراء التحقيقات اللازمة. ولم يميّز هذا القانون بين مفقود وآخر على أساس الطائفة أو الانتماء السياسي أو الديني، بل اعتبر أن جميع المفقودين في الحرب الأهلية يشكلون قضية وطنية واحدة.
وهذا يعني أن اليهود اللبنانيين الذين اختفوا خلال الحرب، إذا ثبتت جنسيتهم اللبنانية، يدخلون حكماً ضمن هذا القانون، تماماً كما يدخل فيه سائر اللبنانيين الذين فقدوا خلال تلك المرحلة. ومن ثم فإن المرجعية القانونية الوحيدة لمعالجة هذا الملف هي الدولة اللبنانية ومؤسساتها، لا طاولة مفاوضات مع إسرائيل.
ومن هنا تكمن خطورة إدراج هذا الملف في مفاوضات روما.
فالقبول بمناقشته بوصفه مطلباً إسرائيلياً يفتح الباب أمام سابقة قانونية وسياسية، يصبح معها ملف المفقودين اللبنانيين قابلاً للتدويل، أو للتحول إلى ورقة تفاوض بين دولتين، بدلاً من بقائه قضية عدالة انتقالية ومسؤولية وطنية. وهو ما قد يؤدي، مستقبلاً، إلى تدخلات خارجية في ملفات أخرى مرتبطة بالحرب الأهلية، بما يمس مباشرة بسيادة الدولة اللبنانية واختصاصها القضائي كأن تتدخل دول أخرى للمطالبة بجثامين لبنانيين من الأرمن أو الأقباط أو التركمان أو العلويين أو الفلسطينيين والسوريين والعراقيين والليبيين....
فلبنان يملك، قانوناً، حق المطالبة بمعتقليه الموجودين في السجون الإسرائيلية، وبجثامين مواطنيه المحتجزة لدى إسرائيل، لأن هذه الملفات نشأت عن نزاع قائم بين دولتين. أما ملف المفقودين في الحرب الأهلية، بمن فيهم اليهود اللبنانيون، فهو لا يندرج ضمن هذا النزاع، بل هو جزء من الذاكرة الوطنية اللبنانية ومن مسار العدالة الداخلية الذي لم يكتمل بعد.
ولهذا، فإن الموقف القانوني الذي يحفظ السيادة اللبنانية لا يكون برفض البحث في مصير اليهود اللبنانيين، بل بالإصرار على أن هذا البحث يتم حصراً تحت سلطة القانون اللبناني، ووفق أحكام القانون رقم 105/2018، ومن خلال الهيئة الوطنية المختصة، لا عبر مفاوضات ثنائية مع دولة أجنبية.
 

آخر الأخبار