Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
أخبارنا

بين بعبدا وعين التينة... معركة المرجعية لا معركة الاتفاق

هل الخلاف على نص اتفاق الاطار بين الرئيسين عون وبري والزعيم الدرزي وليد جنبلاط، أم على من يقرر باسم لبنان؟
الرئيسان عون وبري
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

المحرر السياسي- قد يكون الخطأ الأكبر في قراءة التباين الذي انفجر بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري اختزاله في بنود "اتفاق الإطار" المطروح برعاية أميركية. فالخلاف، في جوهره، لا يبدو خلافاً على النصوص بقدر ما هو صراع على المرجعية التي تملك حق اتخاذ القرار الوطني في أكثر الملفات حساسية: الحرب والسلم، والتفاوض مع إسرائيل، ومستقبل سلاح حزب الله.
وقد اكتسب هذا التباين بعداً إضافياً مع ما تردد عن اتصال أجراه رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف بالرئيس بري، قبل صدور موقفه الرافض. وإذا صح هذا التسلسل، فإن الاعتراض لا يعود مجرد موقف لبناني داخلي، بل يصبح جزءاً من اشتباك أوسع حول موقع لبنان في التفاوض الأميركي – الإيراني، وحول ما إذا كان القرار اللبناني سيبقى ورقة ضمن التفاوض الإقليمي، أم ينتقل تدريجياً إلى المؤسسات الدستورية اللبنانية.
وهنا تبرز مفارقة يصعب تجاوزها.
فالرئيس بري ليس غريباً عن التسويات مع إسرائيل، بل كان أحد أبرز رعاتها. ففي اتفاق ترسيم الحدود البحرية، قبل لبنان، برعاية مباشرة من بري وحزب الله، بتسوية تضمنت اعترافاً متبادلاً بخط حدود بحري، وآليات قانونية واقتصادية وفنية نظمت استثمار حقول الغاز، في خطوة اعتبرها كثير من الخبراء أكثر من مجرد ترسيم تقني، لأنها أرست للمرة الأولى إطاراً تعاقدياً ثابتاً بين الطرفين، ولو بصورة غير مباشرة.
ثم جاء اتفاق وقف الأعمال العدائية الأخير، الذي وافق عليه حزب الله ورعته عين التينة، ليتضمن التزامات لا تقل أهمية: توسيع انتشار الجيش اللبناني، وتعزيز صلاحيات قوات "اليونيفيل"، وإبعاد أي وجود مسلح خارج إطار الدولة عن منطقة العمليات، ووضع آليات متابعة ورقابة دولية. وهي بنود لم يكن ممكناً وصفها بأنها مجرد ترتيبات عسكرية عابرة، بل شكلت انتقالاً عملياً إلى مرحلة جديدة من إدارة الحدود الجنوبية.
إذاً، يصبح السؤال مشروعاً: ما الذي يجعل التسويات مقبولة عندما تكون عين التينة شريكاً في صناعتها، بينما تصبح مساساً بالسيادة عندما تتولاها رئاسة الجمهورية؟
الجواب لا يكمن في الاتفاق نفسه، بل في هوية من يقوده.
فالرئيس جوزاف عون يسعى، منذ انتخابه، إلى إعادة تثبيت موقع رئاسة الجمهورية باعتبارها المرجعية الدستورية الأولى في القضايا السيادية، مستنداً إلى الدستور الذي يجعل التفاوض الخارجي والسياسات العليا من اختصاص السلطة التنفيذية ممثلة برئيسي الجمهورية والحكومة ومجلس الوزراء، فيما يقتصر الدور الدستوري لرئيس مجلس النواب على السلطة التشريعية، مهما بلغت مكانته السياسية.
أما الرئيس بري، فيستند إلى واقع سياسي تراكم منذ أكثر من ثلاثة عقود، جعل من عين التينة، بالتفاهم مع حزب الله، البوابة الأساسية لأي تفاوض غير مباشر مع إسرائيل، من تفاهم نيسان 1996، إلى تفاهمات ما بعد حرب تموز، وصولاً إلى ترسيم الحدود البحرية. ومن هنا، فإن انتقال هذا الملف إلى قصر بعبدا لا يعني بالنسبة إليه مجرد تبدل في الإدارة، بل تبدلاً في ميزان القوة داخل النظام اللبناني.
ويزداد هذا التناقض وضوحاً مع الرهان الذي يطرحه بعض أركان محور الممانعة على المفاوضات الإيرانية – الأميركية. فهذا الرهان، حتى الآن، يقوم على فرضيات أكثر مما يقوم على وقائع. فلا المؤشرات المتوافرة توحي بقرب تفاهم شامل، ولا ما تسرب من النقاشات يتضمن التزاماً أميركياً واضحاً بإلزام إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، أو وقف خروقاتها اليومية، أو إنشاء آلية تنفيذ ملزمة لذلك. وبالتالي، فإن تعليق القرار اللبناني على مفاوضات لم تنضج بعد، قد يعني عملياً إبقاء لبنان رهينة انتظار لا سقف زمنياً له.
أما موقف وليد جنبلاط، الذي ركز على أن اتفاق الإطار لا يتضمن بنداً عن "الهدنة"، فقد بدا بدوره ملتبساً. فالإيحاء بأن غياب كلمة "هدنة" يبدد المخاوف يتجاهل حقيقة تاريخية راسخة فاتفاق الهدنة الموقع عام 1949 فقد فعاليته العملية منذ ستينيات القرن الماضي، حين تحولت الحدود اللبنانية إلى جبهة مفتوحة مع انطلاق العمل الفدائي الفلسطيني، ثم مع الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة، ولاحقاً مع نشوء المقاومة اللبنانية ثم الاسلامية. ومنذ ذلك الحين، لم تعد العلاقة بين لبنان وإسرائيل محكومة باتفاق الهدنة، بل بتوازنات القوة والقرارات الدولية والوقائع العسكرية. لذلك، فإن الجدل حول ورود كلمة "هدنة" أو عدم ورودها يبدو أقرب إلى النقاش اللغوي منه إلى النقاش السياسي.
وفي النهاية، يبقى الامتحان الحقيقي في التنفيذ لا في النصوص. فالاتفاقات لا تُقاس بعناوينها، بل بما تنتجه على الأرض. وما يجري اليوم يكشف أن لبنان يقف أمام مفترق يتجاوز الاتفاق الحالي، فهل يصبح قرار الحرب والسلم، والتفاوض مع الخارج، حكراً على الدولة ومؤسساتها الدستورية، أم يبقى جزءاً من منظومة إقليمية تتحكم بإيقاعه العواصم أكثر مما تتحكم به بيروت؟
ذلك هو السؤال الحقيقي، أما النصوص فليست سوى الواجهة.
 

آخر الأخبار