حين أخرج حزب الله الامام موسى الصدر ومشروعه من لبنان
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
أنطوان سلامه-في ذكرى غياب الإمام موسى الصدر، لا تبدو المناسبة مجرد استعادة لرجل ديني وسياسي لبناني غاب منذ نحو نصف قرن، بقدر ما تبدو مناسبة لطرح سؤال عن الشيعة في لبنان، ماذا بقي من المشروع الذي أراده لهم موسى الصدر، وماذا فعلت التحولات التي أعقبت غيابه بهذا المشروع؟
تأتي الذكرى اليوم في لحظة شديدة الحساسية في تاريخ المرجعيات والشخصيات الشيعية. من اغتيال علي خامنئي وما يتركه ذلك من تداعيات على المرجعية والقيادة في إيران، إلى اقتراب المرجع علي السيستاني من مرحلة الخروج من المشهد النجفي، مروراً بغياب شخصيات لبنانية كبرى، من محمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله إلى السيد حسن نصر الله، وصولاً إلى اقتراب نبيه بري من الاعتزال السياسي، يبدو المشهد الشيعي أمام فراغ متدرج في الشخصيات الجامعة، من دون أن تبرز حتى الآن بدائل تمتلك قدرتها على الجمع بين المرجعية والطائفة والوطن.
وفي إيران نفسها، تمر ولاية خامنئي بواحدة من أصعب مراحلها، وسط تداعيات الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل وأزمة وجودية تطال الجمهورية الإسلامية ومشروعها الإقليمي. وهذا يعني أن المرجعية التي أصبحت، بعد غياب موسى الصدر، صاحبة التأثير الأوسع في البيئة الشيعية اللبنانية، ليست هي الأخرى بمنأى عن سؤال المستقبل.
لكن السؤال اللبناني أكثر إلحاحاً.
فجبل عامل يعيش واحدة من أقسى نكباته الحديثة، فيما لا يبرز في البيئة الشيعية، بالقدر المطلوب، صوت نقد ذاتي رصين يعيد قراءة ما جرى وما يجري. بل إن بعض الخطابات والاندفاعات السياسية تذهب في الاتجاه المعاكس، تحطيم الجسور مع بقية اللبنانيين، إنتاج معادلات داخلية عدائية وتقسيمية، ورفع لغة سياسية تنفصل أحياناً عن الوقائع، بما ينذر ليس فقط بأزمة علاقة الشيعة بلبنان، بل بأزمة تصيب لبنان نفسه وتضع الطائفة الشيعية أمام مخاطر وجودية وسياسية لا يجوز الاستخفاف بها.
المفارقة أن هذا كله يحدث في وقت يغيب فيه، بصورة متزايدة، مشروع سياسي وطني واضح في الشارع الشيعي. فقد كان حزب الله، لسنوات طويلة، رافعة سياسية واجتماعية وأمنية للبيئة التي يمثلها. لكنه تحول، في نظر كثيرين، من رافعة للنهوض إلى أحد أسباب الانهيار، من دون أن يبدو أنه قرأ بما يكفي التحولات الكبرى التي أحاطت به: سقوط النظام العلوي في سوريا، تبدل البيئة الإقليمية، تصاعد الدعوات العراقية إلى حصرية السلاح بيد الدولة، وعودة العروبة إلى النقاش السياسي العراقي، فضلاً عن تبدل موقع إيران نفسها في الإقليم.
وهنا تحديداً تكتسب ذكرى موسى الصدر معناها.
فالصدر لم يكن تقسيمياً في القول أو الفعل. ولم ينظر إلى الشيعة باعتبارهم جزيرة داخل لبنان، بل أرادهم جزءاً من الوطن، سياسياً وثقافياً واجتماعياً. والأهم أنه فهم، باكراً، أن قوة الطائفة لا تأتي من عزلها عن محيطها اللبناني، بل من قدرتها على الاندماج فيه من موقع الشراكة.
وهذا لم يكن خياراً عابراً.
فالشيعة في جبل عامل عرفوا، عبر تاريخهم، كيف يتجاوزون النكبات ويعيدون بناء حضورهم بقواهم الذاتية. من عهود المماليك إلى مرحلة أحمد باشا الجزار، ومن أزمات جبل عامل إلى الصدمة التي أصابت العامليين في مرحلة الحكم الفيصلـي، حين شعروا بالتهميش وتفضيل تمثيلهم بآل الصلح في صيدا، انتهوا إلى خيار الانضمام إلى لبنان الكبير، وإن كان لبنان يومها يحمل بصمته المارونية الواضحة.
كان ذلك، في جوهره، خياراً تاريخياً براغماتياً، الدخول في كيان لبناني يتيح للطوائف حريات وخصوصيات سياسية وثقافية، بدلاً من الوقوع في نماذج حكم الأقليات التي عرفها العراق وسوريا في مراحل مختلفة.
ومن هنا يمكن فهم الامام موسى الصدر.
لقد كان من أبرز الذين أعادوا تعريف موقع الشيعة داخل "الفكرة اللبنانية". لم يرد للطائفة أن تعيش على هامش لبنان، ولم يسع إلى إقامة كيان شيعي منفصل، بل عمل على تدعيم موقعها داخل الدولة اللبنانية من خلال بناء مؤسساتها والانفتاح على محيطها.
تفاعل مع مسيحيي الجنوب ودروزه وسنته، ومدّ الجسور مع بكركي ودار الفتوى ومشيخة العقل، ولم يرَ في الانفتاح تنازلاً عن حقوق الشيعة، بل وسيلة لتثبيتها داخل وطن يتسع للجميع.
كان مشروعه، في جوهره، مشروع طائفة قوية داخل لبنان، لا طائفة قوية على حساب لبنان.
وهذا هو الفارق الذي يستحق التوقف عنده اليوم.
فبعد غياب الصدر، وصعود مرجعية قم وتزايد نفوذها على حساب مرجعيات أخرى، انتقلت البيئة الشيعية اللبنانية تدريجياً من موقع الفاعل الذي يصنع خياراته السياسية انطلاقاً من مصالحه اللبنانية، إلى موقع أكثر ارتباطاً بمرجعية خارج الحدود وبمشروع إقليمي تتداخل فيه اعتبارات الدولة الإيرانية ومصالحها الاستراتيجية مع الاعتبارات المذهبية.
وهنا أصيب مشروع الصدر في جوهره.
فهو كان يريد الفصل بين المرجعية الدينية وبين القرار السياسي اللبناني، بحيث لا تعني العلاقة الروحية أو المذهبية مع الخارج أن يصبح القرار السياسي اللبناني تابعاً له. وهو منطق عرفته الطوائف اللبنانية نفسها بصور مختلفة: علاقة روحية أو ثقافية أو دينية مع مرجعيات خارجية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقال القرار السياسي الوطني إلى تلك المرجعيات.
لم يكن الصدر يريد أن يفصل الشيعة عن الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لكنه كان يريد أن يحدد موقعهم فيه من داخل لبنان، وبقرار لبناني، وبما يحفظ في الوقت نفسه خصوصية الدولة والمجتمع.
وهذا ما يجعل الفارق مع تجربة حزب الله أكثر وضوحاً.
فالخلاف ليس في الموقف من إسرائيل، ولا في حق لبنان في مقاومة الاحتلال، بل في السؤال الأعمق: من يقرر الحرب؟ ولأي لبنان؟ وبأي مرجعية؟
عندما يحتكر حزب قرار الحرب والسلم، فإنه لا يحمي طائفته فقط، بل يعيد تعريف الدولة كلها وفق خياراته. وعندما يصبح السلاح مرتبطاً بمشروع إقليمي، تتحول الطائفة من شريك في الدولة إلى طرف في لعبة تتجاوز حدودها ومصالحها.
وهنا تبدو تجربة موسى الصدر أكثر راهنية مما تبدو عليه في كتب الذكريات.
فالشيعة الذين استطاعوا تاريخياً أن يتجاوزوا نكباتهم بقوا أقوياء عندما امتلكوا قرارهم، وعندما جعلوا من لبنان إطاراً لحضورهم، لا ساحة لصراع الآخرين. أما حين يتحول لبنان إلى جزء من مشروع إقليمي أكبر منه، يصبح الشيعة أول من يدفع ثمن ذلك، لأنهم يتحملون كلفة الصراع على الأرض التي يعيشون فيها.
من هنا، فإن استعادة موسى الصدر اليوم ليست استعادة لحنين سياسي أو لشخصية غائبة. إنها استعادة لفكرة.
فكرة أن الشيعة يستطيعون أن يكونوا لبنانيين من دون أن يتخلوا عن هويتهم، وعرباً من دون أن يصبحوا أدوات في صراعات عربية، ومقاومين لإسرائيل من دون أن يتحولوا إلى جيش لمشروع إقليمي، وأقوياء داخل الدولة لا أقوياء على الدولة.
لقد فهم الصدر أن الطائفة لا تحمي نفسها بالانعزال، وأن قوة الجماعة لا تكون بتحويل الوطن إلى ساحتها الخاصة.
ولعل المفارقة الأكثر قسوة أن ما يحتاج إليه الشيعة في لبنان اليوم ليس مشروعاً جديداً بقدر ما يحتاجون إلى استعادة جزء من تجربتهم التاريخية: إعادة اكتشاف لبنان كإطار لمصالحهم، واستعادة القرار الوطني، وفصل الديني عن السياسي، وإعادة بناء الجسور مع بقية المكونات اللبنانية.
فالخروج من النكبة لا يكون بالمزيد من السلاح، ولا بالمزيد من الشعارات، ولا بالانغماس أكثر في لعبة الإقليم والأمم.
يكون باستعادة السؤال الذي طرحه موسى الصدر عملياً قبل نصف قرن: كيف يكون الشيعة أقوياء داخل لبنان، لا على حساب لبنان؟
ذلك هو جوهر مشروعه.
وربما تكون ذكرى غيابه اليوم فرصة للقول إن أكبر تكريم لموسى الصدر ليس أن نرثيه، بل أن نسأل بصدق: أين أخطأنا الطريق؟
فموسى الصدر أراد للشيعة أن يدخلوا لبنان.
أما المأساة الراهنة فهي أن جزءاً منهم دخل لعبة الإقليم إلى الحد الذي بات يخشى معه أن يخرج من لبنان.