رحيل الأباتي بولس نعمان
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
عاصر الاب نعمان مراحل لبنان الحديث ، وعايش الحرب، وشارك في أحداثها من موقع وصفه بـ"المراقب الملتزم"، قبل أن يعود إليها مؤرخا.
وُلد بولس نعمان في بلدة شرتون بقضاء عاليه عام 1931، ودخل دير الابتداء سنة 1951. درس الفلسفة واللاهوت في جامعة الروح القدس–.الكسليك، قبل أن ينتقل إلى روما ويتخصص في التاريخ في الجامعة الغريغورية.
انشغل خلال سنوات دراسته بالبحث في جذور المارونية ونشأة الكنيسة المارونية والظروف التي تكوّنت فيها. وقد دفعه النقص الذي لمسه في المراجع والدراسات الأكاديمية إلى تكريس جانب كبير من عمله لسدّ هذه الثغرة وتقديم قراءة تاريخية موثقة لمسيرة الموارنة وعلاقتهم بلبنان.
عاد إلى لبنان عام 1967 حاملاً شهادة الدكتوراه، وبدأ مسيرة تعليمية وإدارية في مؤسسات الرهبانية اللبنانية المارونية، قبل أن يؤدي دوراً أساسياً في النهضة الأكاديمية التي شهدتها جامعة الروح القدس–الكسليك.
أُسند إلى الاب نعمان تأسيس معهد التاريخ والآثار في جامعة الروح القدس، وتولى إدارته نحو عشرة أعوام. كما شغل مواقع أكاديمية عدة، من بينها عمادة كلية الآداب، وشارك في إعداد أجيال من الطلاب والباحثين.
انتُخب الأباتي بولس نعمان عام 1980 رئيساً عاماً للرهبانية اللبنانية المارونية، واستمر في منصبه حتى عام 1986، خلال مرحلة شديدة القسوة من الحرب اللبنانية.
عُرف بقربه من الرئيس المنتخب بشير الجميّل وبعلاقاته مع عدد من الشخصيات السياسية والفكرية، إلا أنه احتفظ بدور المحاور، وفتح قنوات تواصل مع شخصيات مسيحية وإسلامية وسورية في مراحل مختلفة.
ربط بقاء المسيحيين في لبنان بالأرض والعمل وفرص العيش، محذراً من أن الهجرة ليست ناتجة من الاضطهاد وحده، بل أيضاً من الأزمات الاقتصادية وغياب التنمية.
واختصر ارتباط الموارنة بلبنان بقوله إن لهم "ولداً وحيداً اسمه لبنان"، مؤكداً أن الحفاظ على الهوية يتطلب تثبيت الناس في أرضهم، وإنشاء مشاريع إنتاجية في الجبل والأرياف، ومواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية.
جسّد كتاب مذكراته "الإنسان، الوطن، الحرية" خلاصة تجربته الروحية والوطنية. ولم يقدّمه بوصفه سيرة شخصية، بل شهادة على مرحلة حاسمة من تاريخ لبنان، وضعها بالتعاون مع الصحافي والكاتب أنطوان سعد.
وأوضح لدى توقيع الكتاب عام 2009 أن الكتابة كانت واجباً تجاه الأجيال المقبلة، وحفظاً لذاكرة الذين دافعوا عن لبنان. وكان يرى في الإنسان والأرض والحرية قيماً مترابطة صنعت التجربة اللبنانية وحمتها عبر التاريخ.
وضمّن مذكراته مراجعات لمواقفه وتجربته، مستنداً إلى الوثائق وشهادات المشاركين في الأحداث، وساعياً إلى الجمع بين صدقية المؤرخ وذاكرة الشخص الذي عاش الوقائع من داخلها.
ونعت الرهبانية اللبنانية المارونية الأباتي بولس نعمان، الأب العام الأسبق للرهبانية بين عامي 1980 و1986. ويترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي صلاة الجناز عند الرابعة بعد ظهر الثلاثاء 15 أيلول/سبتمبر 2026، في دير مار أنطونيوس–غزير، مقر الرئاسة العامة. ويُسجّى الجثمان في كنيسة الدير ابتداءً من العاشرة صباحاً، حيث تُقبل التعازي حتى موعد الصلاة. كما تُقبل التعازي الأحد 13 أيلول في دير وجامعة الروح القدس–الكسليك، والإثنين 14 أيلول في دير مار أنطونيوس–غزير، من الثانية بعد الظهر حتى السابعة مساءً.
برحيله، تفقد الرهبانية اللبنانية المارونية أحد أبرز رؤسائها السابقين، ويخسر لبنان مؤرخاً وناشطا وطنياً جعل من الدفاع عن الإنسان والوطن والحرية عنواناً لمسيرة امتدت أكثر من سبعة عقود.