Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
أخبارنا

روما بين لبنان وإسرائيل... تفاوض على وقع اختلال الموازين

تنطلق مفاوضات روما في ظل موازين قوي لا تصب في مصلحة المفاوض اللبناني.
مفاوضات لبنان واسرائيل
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

المحرر السياسي- لا تنعقد مفاوضات روما بين لبنان وإسرائيل في لحظة سياسية جديدة، بل في ظل موازين قوى تكاد تكون ثابتة منذ توقف الحرب الواسعة. فالمشهد الذي سبق المفاوضات هو نفسه الذي يحكمها، فإسرائيل لم تبدّل استراتيجيتها، وحزب الله لم ينجح في تبديل الوقائع التي أفرزتها الحرب، فيما تتكيف القوى اللبنانية تدريجياً مع هذه المعادلة، وإن اختلفت في خطابها السياسي.
منذ فتح الجبهة الجنوبية في إطار "حرب المساندة"، تعاملت إسرائيل مع المواجهة باعتبارها فرصة لإعادة صياغة البيئة الأمنية على حدودها الشمالية، لا مجرد معركة ظرفية. ولذلك لم تكتفِ بوقف إطلاق النار أو العودة إلى قواعد الاشتباك التي حكمت الحدود منذ عام 2006، بل انتقلت إلى محاولة فرض واقع ميداني وسياسي يضمن لها حماية طويلة الأمد لشمالها، مستفيدة من تفوقها العسكري ومن التحولات الإقليمية والدولية.
في المقابل، لم يستطع حزب الله تعديل ميزان القوى أو منع إسرائيل من الانتقال إلى هذه المرحلة الجديدة. والأهم أنه لم يقدم حتى الآن مراجعة سياسية صريحة لنتائج قرار فتح الجبهة الجنوبية، وما ترتب عليه من خسائر جسيمة أصابت الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، سواء على مستوى البنية التحتية أو الاقتصاد أو البيئة الاجتماعية. وبدلاً من ذلك، يواصل الحزب خوض معركة سياسية ضد اتفاق الإطار، موجهاً انتقاداته إلى رئيس الجمهورية والحكومة والقوى المنخرطة في مسار التفاوض، من دون أن يطرح بديلاً عملياً سوى توصيف الاتفاق بأقسى النعوت والتحذير من مخاطره.
لكن التطور اللافت لا يكمن في خطاب حزب الله، بل في حركة القوى السياسية المحسوبة على خطه أو القريبة منه. فالرئيس نبيه بري، الذي كان يربط في مراحل سابقة جزءاً من رهاناته بمآلات التفاوض الأميركي – الإيراني، يبدو اليوم أقل تعويلاً على هذا المسار. كما أن اعتراضه السابق على فكرة "المناطق التجريبية" تراجع لمصلحة حديث أكثر مرونة عن "الأقضية"، بما يعكس اقتراباً من مقاربة رئيس الجمهورية جوزاف عون، أو على الأقل اعترافاً ضمنياً بأن مرحلة الاكتفاء بالتفاوض الشكلي، سواء كان مباشراً أم غير مباشر، أصبحت وراء لبنان.
والأمر نفسه ينسحب، وإن بطريقة مختلفة، على رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط. فهو يحرص على التأكيد أن من حقه وحق حزبه توجيه الانتقادات إلى مسار التفاوض، لكنه في الوقت نفسه لم يذهب إلى القطيعة مع رئاسة الجمهورية، بل سارع إلى إرسال النائب وائل أبو فاعور للقاء الرئيس جوزاف عون، في إشارة سياسية واضحة إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة وعدم تحويل الخلاف إلى مواجهة سياسية.
ولا تقتصر مؤشرات التكيف مع الواقع الجديد على هذين المثالين. فخلف المواقف المتباينة، يبدو أن معظم القوى اللبنانية، سواء المؤيدة لمفاوضات روما أو المعارضة لها من منطلق رفض اتفاق الإطار أو التحذير من الوصاية الأميركية، تتقاطع عند حقيقة واحدة وهي لبنان يخوض هذه المرحلة من موقع الضعف، وليس من موقع القدرة على فرض الشروط.
وهذه هي الحقيقة التي تحاول معظم القوى السياسية الالتفاف حولها بخطابات مختلفة. فمن يعتبر المفاوضات ضرورة يراها الخيار الوحيد لتقليص الخسائر، ومن يرفضها لا يمتلك في المقابل تصوراً واقعياً لكيفية تغيير ميزان القوى القائم. وبين هذا وذاك، يبقى العامل الحاسم هو الوقائع التي فرضتها الحرب على الأرض.
فإسرائيل لم تعد تتعامل مع الحدود الجنوبية وفق قواعد الاشتباك التي سادت طوال ما بعد حرب تموز 2006، وهي القواعد التي راهن عليها حزب الله طويلاً باعتبارها تشكل نوعاً من الردع المتبادل. لقد انتقلت إلى مرحلة جديدة تقوم على استثمار نتائج الحرب لترسيخ واقع أمني مختلف، بينما يجد حزب الله نفسه عاجزاً، في المدى المنظور على الأقل، عن انتزاع هذا الواقع أو العودة إلى المعادلة السابقة.
من هنا، تبدو مفاوضات روما أقل ارتباطاً بالنوايا السياسية وأكثر ارتباطاً بميزان القوى الذي أفرزته الحرب. فهي ليست مفاوضات بين طرفين متكافئين يبحثان عن تسوية، بل محاولة لإدارة نتائج معركة لم تتغير معادلاتها الأساسية بعد. ولذلك فإن نجاحها أو تعثرها لن يتوقف على حدة الخطابات اللبنانية، بل على قدرة الدولة اللبنانية على تحسين شروطها تدريجياً ضمن واقع إقليمي ودولي بالغ التعقيد، فيما يبقى السؤال الأصعب، هل يستطيع لبنان تحويل التفاوض إلى وسيلة لاستعادة جزء من سيادته، أم أنه سيبقى يدير، عبر التفاوض، مفاعيل اختلال ميزان القوى الذي فرضته الحرب؟
وإذا كانت إسرائيل تدخل مفاوضات روما وهي تستند إلى تفوق ميداني واضح، فإن الولايات المتحدة تدخلها بوصفها الضامن السياسي لهذا المسار. فواشنطن لا تتعامل مع المفاوضات باعتبارها مجرد وساطة بين خصمين، بل كجزء من مشروع أوسع لإعادة رسم التوازنات الأمنية في جنوب لبنان، بما يضمن أمن إسرائيل ويعيد تكريس احتكار الدولة اللبنانية للسلاح جنوب الليطاني. ومن هنا، فإن الدور الأميركي لم يعد يقتصر على تقريب وجهات النظر، بل بات يتمثل في إدارة مرحلة انتقالية يريد لها أن تنقل لبنان من معادلة "قواعد الاشتباك" التي حكمت الحدود طوال ما بعد عام 2006، إلى معادلة أمنية جديدة تختلف في أهدافها وضماناتها. والسؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة ليس ما إذا كانت واشنطن قادرة على فرض هذا التحول، بل ما إذا كان لبنان يمتلك من عناصر القوة السياسية والوطنية ما يسمح له بتحويل الرعاية الأميركية إلى فرصة لاستعادة سيادته، لا إلى مجرد آلية لإدارة اختلال موازين القوى الذي فرضته الحرب.

آخر الأخبار