عندما عادت غزة إلى فلسطين هل تعود الكوفية إلى رمزٍ ويعود لبنان إلى لبنان؟
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
أنطوان سلامه - قد لا يُنفّذ الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي بشأن سلاح حركة حماس. وقد تتعثر المفاوضات أو تنهار في أي لحظة. لكن السياسة لا تُقاس فقط بما يُوقَّع، بل أيضاً بما يُقبل مجرد البحث فيه. ولذلك، فإن مجرد استعداد حركة حماس لمناقشة تسليم سلاحها مقابل انسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة وترتيبات سياسية وأمنية، يفتح صفحة جديدة لا في التاريخ الفلسطيني فحسب، بل في تاريخ المنطقة كلها.
فالحدث لا يطرح سؤالاً عن مستقبل غزة وحدها، بل عن مصير الفكرة التي حملت اسم "وحدة الساحات".
هذه النظرية التي قيل إنها تجعل كل الجبهات جبهة واحدة، وكل الحروب حرباً واحدة، وكل الساحات ساحة واحدة، تصطدم اليوم بواقع مختلف. فإذا كانت غزة تفاوض من أجل غزة، فمن يفاوض من أجل لبنان؟ وإذا كانت كل ساحة تعود في النهاية إلى حساباتها الوطنية الخاصة، فلماذا كان على لبنان أن يخوض حرباً لم تكن حساباتها لبنانية؟
هنا يبدأ السؤال الحقيقي.
لم يدخل لبنان الحرب لأن حدوده كانت تتعرض لاجتياح شامل، ولا لأن دولته اتخذت قراراً سيادياً بالمواجهة. دخلها تحت عنوان طرحه حزب الله منفرداً "حرب المساندة". وكان المفهوم بسيطاً، ما يجري في غزة يفرض على لبنان أن يفتح جبهة الجنوب، لأن المعركة واحدة والمصير واحد.
لكن ما الذي بقي من هذه المعادلة اليوم؟
إذا انتهت الحرب في غزة بتسوية تخص الفلسطينيين، أو حتى بمفاوضات حول مستقبل القطاع وسلاح المقاومة فيه، فإن لبنان لن يكون جزءاً من تلك التسوية. لن يجلس على الطاولة، ولن يكون طرفاً في الضمانات، ولن يحصل على مقابل سياسي لما دفعه. سيبقى أمام قرى مدمرة، وآلاف العائلات التي نزحت، وخسائر اقتصادية هائلة، ومؤسسات دولة مطالبة بإعادة إعمار ما هدمته حرب لم تتخذ قرارها.
وهنا لا يصبح السؤال موجهاً إلى الفلسطينيين، بل إلى اللبنانيين أنفسهم.
فالفلسطيني، مهما اختلفنا أو اتفقنا معه، يفاوض من أجل فلسطين. والإسرائيلي يقاتل من أجل إسرائيل. والإيراني يفاوض من أجل إيران. وسوريا تخرج من وحدة المسار والمصير. وكل دولة في المنطقة تعود، عند لحظة الحسم، إلى حساباتها الوطنية. وحده لبنان يبدو وكأنه مطالب دائماً بأن يجعل مصلحته الوطنية في المرتبة الثانية.
ومن المفارقات أن الجنوب اللبناني، الذي دفع الثمن الأكبر، لم يتحول إلى قضية عربية أو فلسطينية كما تحولت غزة إلى قضية لبنانية. لم نشهد حملات تضامن واسعة مع القرى اللبنانية التي دمرت، ولا تظاهرات عارمة ترفع صور بلدات الجنوب كما رفعت صور غزة، ولا بيانات يومية تعتبر الدفاع عن السيادة اللبنانية أولوية لا تقل أهمية عن الدفاع عن فلسطين.
وهذا ليس عتباً على الفلسطينيين، بل تذكيراً بحقيقة سياسية بديهية، الشعوب تنحاز أولاً إلى أوطانها، والدول تدافع أولاً عن مصالحها. وهذه ليست أنانية، بل هي جوهر فكرة الدولة.
المفارقة أن لبنان لم يتعلم هذا الدرس رغم أنه دفع ثمنه أكثر من مرة.
منذ اتفاق القاهرة عام 1969، مروراً بالحرب الأهلية، والاجتياحات الإسرائيلية، ووصولاً إلى حربي الإسناد والثأر، ظل لبنان يتحول إلى ساحة تتقاطع فوقها صراعات الآخرين. وفي كل مرة كان يقال للبنانيين إن المعركة تتجاوز حدودهم، وإن الدفاع عن القضايا الكبرى يسبق الدفاع عن الدولة اللبنانية. وبعد كل حرب، كان الجميع يعودون إلى أولوياتهم الوطنية واتفاق أوسلو سابقا بقيادة ياسر عرفات، مثالاً، فيما يبقى لبنان وحده يجمع الركام ويحصي خسائره.
ليست القضية هنا رفض فلسطين، ولا التنكر لعدالة شعبها. فالقضية الفلسطينية ستبقى قضية حق، ولن تتحول إلى نقيض للقضية اللبنانية. لكن الدفاع عن فلسطين لا يمكن أن يعني إلغاء لبنان، ولا أن يصبح اللبناني مطالباً، في كل مرة، بأن يدفع وحده ثمن خيارات لا يشارك في صنعها، ثم يكتشف أن أصحاب القضية أنفسهم عادوا إلى طاولة التفاوض، بينما بقي هو على ركام قراه.
لقد آن الأوان لأن يطرح اللبنانيون سؤالاً طال تأجيله، متى تصبح الدولة اللبنانية هي القضية الأولى للبنانيين؟ ومتى يصبح قرار الحرب والسلم قراراً وطنياً، لا امتداداً لاستراتيجيات إقليمية مهما كانت مبرراتها؟
ربما لن يُكتب لهذا الاتفاق أن يرى النور. وربما تعود الحرب أشد مما كانت. لكن حتى لو سقط الاتفاق، فإن الفكرة التي كشفها ستبقى، لا توجد في النهاية إلا أولويات وطنية. وعندما تحين ساعة التفاوض، يعود كل طرف إلى وطنه.
ويبقى السؤال المؤلم، هل يعود لبنان هو أيضاً إلى لبنان؟
فالمشكلة ليست في الكوفية الفلسطينية، فهي رمز شعب يناضل من أجل وطنه. المشكلة تبدأ عندما تصبح الكوفية، في وعي بعض اللبنانيين، أعلى من العلم اللبناني، وعندما يتحول الدفاع عن لبنان إلى موقف يحتاج إلى تبرير، فيما يُعامل الانخراط في حروب الآخرين كأنه التعبير الأسمى عن الوطنية.
الدول لا تعيش بالشعارات، بل بترتيب الأولويات. والشعب الذي لا يجعل وطنه قضيته الأولى، سيبقى يدفع أثمان قضايا الآخرين، ثم يكتشف، بعد كل حرب، أنه كان وحده من دفع الفاتورة.
عندما تقترب لحظة التسويات، تتراجع الشعارات وتتقدم الدول. فالتاريخ يكاد يكرر القاعدة نفسها: الجماعات قد تتحالف، والأيديولوجيات قد تتقاطع، لكن عند لحظة الخطر أو التفاوض، تعود كل أمة إلى مصلحتها الوطنية. ليست هذه خيانة للمبادئ، بل منطق قيام الدول نفسها.
ولعل مأساة لبنان أنه لم يحسم، حتى اليوم، السؤال الذي حسمته معظم الأمم منذ زمن: هل الدولة هي الإطار الذي تُخاض من أجله الحروب، أم أنها تصبح مجرد ساحة تُخاض فوق أرضها حروب الآخرين؟