Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
أخبارنا

كيف يُختطف العقل اللبناني في جمهورية السرديات

يواجه لبنان اليوم خطراً يتمثل في تحوّل السرديات إلى بديل عن الوقائع، بحيث تُصاغ الأحداث داخل أطر ذهنية تمتزج فيها الحقائق بالفرضيات، فيغدو الإطار أقوى من الحدث نفسه.
السرديات اللبنانية
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

أنطوان سلامة- قد تكون أخطر أزمة يعيشها لبنان اليوم ليست الانهيار الاقتصادي، ولا الشلل السياسي، ولا حتى الانقسامات الطائفية، ولا تداعيات النكبة، بل أزمة من نوع آخر أقل وضوحاً وأكثر تأثيراً وهي أزمة صناعة الإدراك العام. فقبل أن يختلف اللبنانيون على تفسير الأحداث، تكون معركة أخرى قد حُسمت في الكواليس، وهي معركة تحديد الإطار الذي سيُفهم من خلاله الحدث. وما إن يترسخ هذا الإطار في الوعي الجماعي، حتى يصبح قادراً على توجيه النقاش، وتحديد الأولويات، وإقصاء أسئلة، واستحضار أخرى، بحيث لا يعود الرأي العام يناقش الوقائع كما هي، بل كما رُسمت له.
هذه الظاهرة ليست اختراعاً لبنانياً. فقد شرحها عالم الاجتماع الكندي إرفنغ غوفمان في نظريته حول "تأطير الواقع" (Framing)، معتبراً أن الإنسان لا يتعامل مع الأحداث بصورة مباشرة، بل من خلال الإطار الذي تُقدَّم فيه. فالطريقة التي يُطرح بها السؤال قد تكون أحياناً أهم من الجواب نفسه، لأنها تحدد مسبقاً ما يستحق التفكير فيه وما ينبغي تجاهله.
أما نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان، فقد ذهبا أبعد من ذلك في كتابهما الشهير "تصنيع القبول" (Manufacturing Consent)، حيث بيّنا أن النفوذ السياسي والإعلامي لا يقوم فقط على إخفاء المعلومات أو نشر الدعاية، بل على القدرة على رسم حدود النقاش العام، بحيث ينشغل الناس بأسئلة معينة، بينما تتوارى الأسئلة الأكثر جوهرية عن الأنظار.
ولعل لبنان يقدم، في العقود الأخيرة، نماذج تكاد تكون مدرسية لهذه الآلية.
يشكل انفجار مرفأ بيروت المثال الأكثر تعبيراً. فالانفجار يُعد من أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ الحديث، وكان من الطبيعي أن تكون الأسئلة الأولى: كيف دخلت آلاف الأطنان من نيترات الأمونيوم إلى المرفأ؟ ومن سمح بتخزينها سنوات طويلة؟ ومن يتحمل المسؤولية الإدارية والسياسية والقضائية عن بقائها؟ وهل استُخدمت أجزاء منها خلال السنوات السابقة؟ هذه الأسئلة تمس جوهر الكارثة لأنها تبحث في الأسباب التي جعلت الانفجار ممكناً.
لكن النقاش العام انتقل سريعاً إلى سؤال آخر: هل كانت هناك طائرة إسرائيلية في الأجواء؟ وهل وقع قصف أم لا؟
ليس المقصود هنا إثبات هذه الفرضية أو نفيها، ولا التقليل من أهمية أي تحقيق علمي مستقل، بل الإشارة إلى التحول الذي أصاب مركز النقاش. فقد أصبحت فرضية الطائرة هي واجهة الحدث، بينما تراجعت الأسئلة المتعلقة بمصدر المواد الخطرة ومسؤولية إدخالها وتخزينها وإدارتها.
بل إننا إذا افترضنا، جدلاً، صحة فرضية القصف الإسرائيلي، فإن ذلك لا يلغي مسؤولية كل من سمح بتحويل مرفأ بيروت إلى مستودع لمواد شديدة الانفجار، لأن من يترك هذه المواد في قلب العاصمة يكون قد وفر، من حيث النتيجة، البيئة التي تجعل أي اعتداء أو حادث كارثة وطنية.
إن انتقال الرأي العام من السؤال عن أصل المشكلة إلى السؤال عن الشرارة التي فجّرتها هو بحد ذاته مثال واضح على انتصار الإطار على الحدث.
وتتكرر الآلية نفسها في ملفات أخرى.
فبعد تداعيات حربي الإسناد والثأر، أصبح جزء واسع من النقاش السياسي يتمحور حول خطر التقسيم، حتى ليخيّل للمتابع أن مشروعاً تقسيمياً واسعاً يقف على أبواب لبنان. غير أن السؤال البديهي يبقى: أين الحزب الكبير الذي أعلن رسمياً تبنيه للتقسيم؟ وأين المرجعية الدينية الأساسية التي دعت إليه؟ لا شك أن هناك أصواتاً فردية ومواقف متفرقة، لكن تحويلها إلى الخطر المركزي يجعل الخيال السياسي يطغى على الوقائع.
وفي المقابل، يغيب سؤال أكثر التصاقاً بالواقع: هل يؤدي وجود قرار بالحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية إلى تعزيز الوحدة الوطنية أم إلى إضعافها؟ وهل يمكن قيام دولة موحدة إذا لم تكن هي المرجعية الوحيدة في القرارات السيادية؟
والأمر نفسه ينسحب على الفيدرالية. فهذا الطرح، سواء اتُّفق معه أو رُفض، ينطلق في صيغه اللبنانية من الاعتراف بالدولة اللبنانية وبحدودها الدولية. ومع ذلك يُقدَّم أحياناً بوصفه التهديد الوجودي الأول للكيان.
في المقابل، لا يلقى القدر نفسه من النقاش وجود أحزاب قامت تاريخياً على مشاريع فكرية تتجاوز الدولة اللبنانية إلى فضاءات قومية أو أممية أو دينية عابرة للحدود، وهي أحزاب ممثلة في السلطة منذ اتفاق الطائف، وتحظى بقاعدة شعبية تفوق بأضعاف ما يحظى به دعاة الفيدرالية. فإذا كان معيار النقاش هو مدى الالتزام بالكيان اللبناني، فمن الطبيعي أن يُطبَّق هذا المعيار على الجميع، لا أن يبقى انتقائياً.
ولا يختلف الأمر كثيراً في الاتهامات المتبادلة بالارتباط بالخارج. فما زالت بعض القوى تتهم خصومها بالانتماء إلى محاور غربية أو عربية، وكأن العالم لم يتغير منذ عقود. لكن في المقابل، لا يُثار القدر نفسه من الجدل عندما يدعو مسؤولون لبنانيون، في ملفات سيادية كالحرب في الجنوب، إلى ترك معالجة الأزمة لدول خارجية تتولى التفاوض أو الضمان أو الوساطة. فإذا كان الاحتكام إلى الخارج معياراً للنقد، فمنطق الدولة يقتضي أن يكون المعيار واحداً على الجميع.
ولعل أفضل اختبار لأي خطاب سياسي هو تبديل المواقع. فلو ظهر في سوريا زعيم مسيحي يدعو إلى الانضمام إلى إسرائيل أو إلى إقامة كيان مستقل، لكان من السهل توقع موجة واسعة من الرفض في لبنان، ولا سيما في الأوساط الإسلامية والتقدمية، باعتبار ذلك مشروعاً يهدد وحدة الدولة السورية. فلماذا تختلف المعايير حين يصبح النقاش لبنانياً؟ ولماذا يتحول ما يُرفض مبدئياً في دولة مجاورة إلى مادة قابلة للتأويل في دولة أخرى؟
إن المشكلة الحقيقية ليست في وجود اختلافات سياسية، فهذه طبيعية في أي مجتمع ديمقراطي، بل في أن النقاش العام كثيراً ما يُدار داخل قوالب جاهزة تجعل بعض الأسئلة محرمة، وبعضها الآخر دائماً في الواجهة، بصرف النظر عن أهميتها الفعلية.
والمفارقة المؤلمة أن جزءاً من النخبة اللبنانية، الذي يرفع لواء الدولة والمؤسسات، لا يزال يستخدم، ربما من دون أن يشعر، مفردات الحرب الأهلية. فخطوط التماس التي اختفت من الجغرافيا لم تختفِ تماماً من الوعي. وما زال كثيرون يقرأون الأحداث بعقلية "المنطقة الشرقية" و"بيروت الغربية"، مع أن تلك الحدود لم تكن يوماً حدوداً طبيعية، بل رسمها المسلحون الذين تمترسوا على جانبيها.
لقد انتهت الحرب منذ أكثر من ثلاثة عقود، لكن كثيراً من قوالبها الذهنية لا تزال تتحكم باللغة السياسية اللبنانية.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس أن يختلف أفراده حول الحقيقة، بل أن يُمنعوا من طرح الأسئلة التي تقود إليها. فعندما يصبح الإطار أهم من الحدث، والسردية أقوى من الوقائع، يتحول الرأي العام إلى أسير عدسة لا يرى العالم إلا من خلالها.
وربما تكون الخطوة الأولى نحو قيام دولة حقيقية في لبنان ليست الاتفاق على الأجوبة، بل تحرير الأسئلة من القوالب الخشبية التي تُفرض عليها، لأن الحقيقة لا تبدأ من الجواب، بل من السؤال الصحيح.
 

آخر الأخبار