لبنان بين التفاهم الأميركي – الإيراني وضغط النار الإسرائيلي
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- يبدو لبنان اليوم عالقاً بين مسارين متوازيين: مسار دبلوماسي يتصل بالتفاهمات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، ومسار عسكري تفرضه إسرائيلي على الأرض من خلال استمرار العمليات العسكرية وتوسيع نطاقها الجغرافي في الجنوب. وبين المسارين، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام سؤال جوهري، هل يسبق الميدان السياسة أم أن السياسة قادرة على ضبط اندفاعة الميدان؟
خلال العقود الماضية، شكّل لبنان إحدى الساحات الأساسية للصراع غير المباشر بين واشنطن وطهران. لكن التجارب المتكررة أثبتت أن أي تقارب أميركي – إيراني لا ينعكس تلقائياً استقراراً في لبنان، بل يحتاج إلى ترتيبات خاصة تأخذ في الاعتبار التعقيدات اللبنانية والإسرائيلية معاً. لذلك، فإن الحديث عن تفاهم أو مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لا يعني بالضرورة أن الحرب في الجنوب اللبناني باتت على وشك الانتهاء بصورة نهائية.
في المقابل، تبدو إسرائيل وكأنها تسعى إلى استثمار اللحظة السياسية الإقليمية لتحقيق وقائع ميدانية جديدة. فمنذ اندلاع المواجهة الأخيرة، لم تكتفِ بتوجيه ضربات عسكرية إلى "حزب الله"، بل عملت على إعادة رسم معادلات أمنية جديدة على طول الحدود. ومن هنا يبرز التخوف اللبناني من أن يكون أي توسع عسكري إسرائيلي جزءاً من محاولة فرض حدود أمنية أوسع مما كان مطروحاً سابقاً، بما يمنح تل أبيب أوراقاً إضافية على طاولة المفاوضات المقبلة.
وتنطلق الحسابات الإسرائيلية من قناعة مفادها أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يضمن إبعاد الخطر العسكري عن المستوطنات الشمالية بصورة دائمة. ولذلك، قد تسعى القيادة الإسرائيلية إلى تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية وأمنية طويلة الأمد، خصوصاً إذا شعرت بأن المناخ الدولي والإقليمي يتجه نحو تسويات قد تفرض عليها لاحقاً وقف العمليات العسكرية.
في الجهة المقابلة، يراهن "حزب الله" على أن التطورات الإقليمية ستمنع إسرائيل من تحقيق أهدافها الكاملة، وأن أي تفاهم دولي أو إقليمي سيؤدي في نهاية المطاف إلى وقف الحرب. إلا أن الحزب يواجه تحدياً كبيراً يتمثل في حجم الخسائر التي أصابت بيئته الحاضنة والبنية التحتية في مناطق نفوذه، فضلاً عن الأسئلة المتزايدة داخل المجتمع اللبناني حول جدوى استمرار ربط الساحة اللبنانية بصراعات الإقليم.
أما الدولة اللبنانية، فتبدو أمام استحقاق بالغ الحساسية. فالمطلوب ليس فقط وقف إطلاق النار، بل التوصل إلى صيغة أمنية وسياسية تمنع تجدد المواجهة. وهذا الأمر يتطلب معالجة ملفات أكثر تعقيداً من مجرد وقف العمليات العسكرية، وفي مقدمتها مستقبل الانتشار العسكري جنوباً، وآليات تطبيق القرارات الدولية، وضمان الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي تحتلها، إضافة إلى ملف السلاح خارج إطار الدولة.
من هنا، تبدو المفاوضات المرتقبة أكثر أهمية من أي تفاهم أميركي – إيراني محتمل. فالمسار اللبناني يمتلك خصوصيته الخاصة، ولا يمكن اختزاله بالتفاهمات الإقليمية. فحتى لو نجحت واشنطن وطهران في خفض مستوى التوتر بينهما، يبقى السؤال اللبناني مرتبطاً بإيجاد توازن جديد على الحدود الجنوبية يضمن الأمن والاستقرار ويحول دون تحول لبنان مجدداً إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
قد يكون التفاهم الأميركي – الإيراني عاملاً مساعداً على تهدئة الأجواء، لكنه لن يكون كافياً وحده لإنهاء الحرب. فالمستقبل اللبناني سيتحدد بقدر ما تنجح المفاوضات في تحويل وقف النار المؤقت إلى تسوية أمنية وسياسية مستدامة. وحتى ذلك الحين، سيبقى لبنان يعيش بين منطق التفاهمات التي تُصاغ في العواصم الكبرى ومنطق الوقائع التي تُرسم بالنار على الأرض.