Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
أخبارنا

لبنان في مأزق العجز الشامل

.تبدو القوى السياسية،بأجمعها، في عجز شامل وهذا أخطر ما يواجه لبنان اليوم
حكومة ومجلس نواب
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

المحرر السياسي- يدخل لبنان مرحلة سياسية غير مسبوقة، لا تشبه مرحلة الانقسام الحاد بين فريقي 8 و14 آذار، ولا تشبه أيضًا مرحلة التسويات التي كانت تُنتج حلولًا مؤقتة كلما بلغت الأزمة ذروتها. فالبلاد اليوم تعيش مأزقًا مختلفًا: الجميع عاجز، وكل طرف يملك قدرة على التعطيل أكثر مما يملك قدرة على الحسم.
يقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في صلب هذا المأزق. فمن جهة، تبنت الحكومة قرارات تتصل بحصر السلاح بيد الدولة، وهي قرارات تتلاقى مع ما يطالب به المجتمع الدولي، كما أن اتفاق الإطار الذي رعته الولايات المتحدة يفرض التزامات واضحة على لبنان، أبرزها معالجة مسألة السلاح غير الشرعي والانطلاق نحو ترتيبات أمنية جديدة على الحدود الجنوبية.
لكن بين القرار والتنفيذ مسافة شاسعة. فالدولة لا تملك الوسائل السياسية ولا الأمنية التي تسمح لها بتنفيذ ما قررته، فيما تبدو الشروط الإسرائيلية أكثر تشددًا من أن تسمح بقيام تسوية متوازنة، سواء لجهة الانسحاب الكامل أو لجهة ما يثار عن مناطق تجريبية وترتيبات أمنية تثير اعتراضًا واسعًا داخل لبنان.
وفي المقابل، لا يبدو حزب الله مستعدًا لتقديم التنازلات المطلوبة. فهو يرفض اتفاق الإطار من أساسه، ويرى فيه مشروعًا لإعادة رسم التوازنات اللبنانية والإقليمية على حسابه، ويزداد تمسكًا بتحالفه مع إيران باعتباره الضمانة الأخيرة لبقائه بعد الضربات التي تعرض لها محور المقاومة خلال العامين الأخيرين.
غير أن الحزب، على الرغم من رفضه، لا يملك بدوره القدرة على قلب الطاولة. فهو خرج من الشارع، ولم يسقط الحكومة، ولم ينسحب منها رغم القرارات التي مست جوهر دوره العسكري. ويبدو مدركًا أن أي مواجهة داخلية ستؤدي إلى عزلة أكبر وإلى تحميله مسؤولية انهيار الدولة، في لحظة إقليمية ودولية لا تمنحه هامش الحركة الذي كان متوافرًا في مراحل سابقة.
أما رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي لطالما لعب دور الوسيط وصانع التسويات، فيقف هو الآخر أمام حدود قدرته. فهو يعترض على بنود أساسية في اتفاق الإطار، ويرفض مبدأ التفاوض المباشر مع إسرائيل، كما يرفض أي ترتيبات يعتبرها ناقصة ، سواء عبر المناطق التجريبية أو أي انسحاب غير شامل للقوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية. لكنه، في الوقت نفسه، لا يملك القدرة على فرض بديل يحظى بقبول الأطراف الدولية والإقليمية، ولا يستطيع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
وهكذا، يصبح المشهد اللبناني عبارة عن شبكة من الاعتراضات المتبادلة، من دون أن يمتلك أي طرف مشروعًا قابلًا للتنفيذ. السلطة عاجزة عن فرض قراراتها، والمعارضة عاجزة عن إسقاط السلطة، وحزب الله عاجز عن استعادة قواعد الاشتباك القديمة، فيما إسرائيل والولايات المتحدة ترفعان سقف المطالب مستفيدتين من موازين القوى الجديدة في المنطقة.
واللافت أن هذا المشهد لم يُنتج استقطابًا سياسيًا واضحًا كما حدث بعد عام 2005. فلا توجد اليوم جبهة سيادية متماسكة على غرار 14 آذار، ولا محور سياسي متجانس على غرار 8 آذار. حتى داخل البيئات المؤيدة والمعارضة لحزب الله تتعدد الحسابات وتختلف الأولويات، فيما تتراجع الأحزاب التقليدية لمصلحة مواقف متفرقة لا يجمعها مشروع سياسي متكامل.
إنها مرحلة دوران في الفراغ السياسي. فالقوى المؤيدة للحزب لم تنجح في بناء استراتيجية جديدة بعد المتغيرات الإقليمية، والقوى المعارضة له لم تستطع تحويل التحولات العسكرية والسياسية إلى مشروع حكم متماسك. وبينهما تقف الدولة، تحاول التوفيق بين ضغوط خارجية متزايدة وانقسامات داخلية عميقة، من دون أن تمتلك أدوات الحسم.
ولعل أخطر ما يميز هذه المرحلة أن الأزمة لم تعد أزمة قرار، بل أزمة قدرة. الجميع يعرف ما يريده، لكن أحدًا لا يملك الوسائل الكافية لتحقيقه. ولذلك يبدو لبنان اليوم معلقًا بين اتفاق لا يستطيع تنفيذه، ورفض لا يستطيع فرضه، ودولة لا تستطيع ممارسة كامل سلطتها، ومقاومة لم تعد تستطيع فرض معادلاتها السابقة.
ويبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى يمكن لهذا التوازن السلبي أن يستمر؟ فالتاريخ اللبناني يُظهر أن الفراغ الطويل لا يدوم، لكنه يُظهر أيضًا أن نهاياته غالبًا لا يصنعها اللبنانيون وحدهم، بل تأتي نتيجة تبدل موازين القوى الإقليمية والدولية. وحتى يحين ذلك، سيظل لبنان يعيش في منطقة رمادية، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل مأزق وطني شامل يقيّد الجميع ويؤجل الحسم.
 

آخر الأخبار