لعبة الأعصاب قبل دخول الرئيس عون إلى البيت الأبيض
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- يدخل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى البيت الأبيض في واحدة من أكثر الزيارات حساسية منذ انتخابه، وهو يدرك أن الرهان على الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليس مجرد خيار دبلوماسي، بل قرار سياسي قائم على قراءة واقعية لموازين القوى الإقليمية والدولية. فترامب، بعد عودته إلى البيت الأبيض، أصبح اللاعب الأكثر تأثيراً في ملفات الشرق الأوسط، من تل أبيب إلى دمشق، مروراً بطهران، وهو الطرف القادر على جمع خيوط متشابكة يصعب على أي دولة أخرى الإمساك بها في هذه المرحلة.
من هنا، يبدو أن رهان عون على الحصول على دعم مباشر لتنفيذ اتفاق الإطار لا ينطلق من رهان على النوايا الأميركية، بل على ميزان القوة. فالرئيس اللبناني يعرف أن أي اتفاق يحتاج إلى راعٍ قادر على فرضه أو على الأقل توفير مظلة سياسية وأمنية لاستمراره، وترامب يمتلك اليوم هذه القدرة أكثر من أي وقت مضى.
في المقابل، أثبتت التطورات الإقليمية صحة المقاربة التي اعتمدها الرئيس عون منذ البداية، والقائمة على فصل الملف اللبناني عن المفاوضات الإيرانية. فبعد انهيار تفاهم إسلام آباد وما رافقه من تعثر في المسار الأميركي – الإيراني، تبيّن أن ربط مستقبل لبنان بمصير التفاوض مع طهران كان خياراً محفوفاً بالمخاطر. ومع سقوط ذلك المسار، تراجعت عملياً الحجج التي رفعها معارضو هذا الفصل، ولا سيما الثنائي الشيعي الذي كان يربط أي تقدم داخلي بالتفاهمات الإقليمية وبالموقف الإيراني.
لكن عون يدرك أيضاً أن النجاح الخارجي وحده لا يكفي. فالتاريخ اللبناني مليء باتفاقات حظيت برعاية عربية أو دولية لكنها انهارت عند أول اختبار داخلي بسبب غياب الإجماع الوطني. من اتفاق القاهرة عام 1969، إلى اتفاق ملكارت، مروراً بالوثيقة الدستورية في عهد الرئيس سليمان فرنجية، ثم اتفاق 17 أيار 1983، وصولاً إلى الاتفاق الثلاثي برعاية الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، كانت العبرة واحدة وهي أن لا اتفاق يعيش طويلاً إذا افتقد الغطاء اللبناني الواسع، مهما بلغت قوة داعميه في الخارج.
لهذا السبب، لم يكن الاتصال الذي أجراه الرئيس عون مع رئيس مجلس النواب نبيه بري قبل مغادرته إلى واشنطن مجرد خطوة بروتوكولية، بل حمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن أي تفاهم خارجي يجب أن يسبقه أو يرافقه تماسك داخلي. كما أن استقباله موفد الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، النائب وائل أبو فاعور، جاء في السياق نفسه، أي توسيع مساحة التفاهم الوطني قبل الدخول في مفاوضات دقيقة مع الإدارة الأميركية.
ويبدو أن رئيس الجمهورية نجح، حتى الآن، في بناء شبكة دعم سياسية تضم قوى من اتجاهات مختلفة، من اليمين إلى اليسار، فيما بقي "حزب الله" خارج هذا المشهد، مصعّداً خطابه ضد الرئيس إلى مستوى غير مسبوق، وصولاً إلى اتهامه بالتفريط أو العمالة. إلا أن هذا التصعيد، على الرغم من ضجيجه الإعلامي، لا يغيّر كثيراً في المشهد السياسي العام، إذ إن معظم القوى اللبنانية باتت ترى أن استعادة الدولة لقرارها الأمني والعسكري تمثل المدخل الأساسي لإخراج لبنان من أزمته.
غير أن المشكلة لا تكمن في الخطاب السياسي، بل في الميدان. فالحزب، حتى لو لم يتمكن من تعطيل القرار السياسي، يبقى لاعباً أساسياً في الجنوب، حيث سيكون تنفيذ أي ترتيبات أمنية أو تطبيق عملي لاتفاق الإطار مرتبطاً بمدى تعاونه أو اعتراضه. ومن هنا، يصبح التحدي الحقيقي أمام الرئيس عون ليس فقط إقناع واشنطن، بل أيضاً إدارة المرحلة الداخلية بما يمنع أي احتكاك يهدد الاستقرار.
ويبقى السؤال الأكبر معلقاً على ما سيحمله لقاء البيت الأبيض. فدونالد ترامب معروف بأنه لا يكتفي بالبيانات الدبلوماسية التقليدية، بل يميل إلى المفاجآت وإطلاق مبادرات غير متوقعة، بعضها يبدّل قواعد اللعبة دفعة واحدة. لذلك لا يستبعد أن يفاجئ الرئيس اللبناني باقتراح يتجاوز ما هو مطروح حالياً، سواء عبر تسريع تنفيذ اتفاق الإطار، أو تقديم حوافز اقتصادية وأمنية للبنان، أو حتى طرح مقاربة أشمل تتصل بترتيبات الأمن على الحدود الجنوبية وربطها بمسار السلام الإقليمي الذي يسعى إليه.
لكن المفاجأة قد تحمل وجهاً آخر أيضاً. فترامب، الذي يتعامل بمنطق الصفقات، قد يرفع سقف مطالبه، واضعاً لبنان أمام استحقاقات أكثر صعوبة، سواء في ملف سلاح "حزب الله"، أو في الإصلاحات الاقتصادية، أو في إعادة رسم الأولويات الأمنية. عندها ستكون المبادرة "صادمة" بالفعل، لكنها لن تكون بالضرورة مريحة للبنان.
لهذا، تبدو زيارة جوزاف عون مختلفة عن الزيارات الرئاسية التقليدية إلى واشنطن. فهي ليست مجرد لقاء ثنائي، بل اختبار لمسار سياسي كامل يقوم على ثلاث ركائز مترابطة: دعم أميركي قادر على التأثير، وفصل لبنان عن رهانات المحاور الإقليمية، وبناء أوسع توافق داخلي ممكن. أما ما إذا كان ترامب سيحوّل هذا المسار إلى فرصة تاريخية أو إلى اختبار أكثر قسوة، فسيبقى الجواب رهناً بما سيخرج من المكتب البيضاوي، حيث اعتاد الرئيس الأميركي أن يفاجئ خصومه وحلفاءه على حد سواء.