Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
أخبارنا

من البصرة إلى طرابلس... هل يغادر لبنان المحور الإيراني؟

بين مشاريع النفط والطاقة والربط الإقليمي التي حملها نواف سلام من بغداد، وتراجع الحضور الإيراني في المشهد الرسمي اللبناني،هل يدخل لبنان تدريجياً في فضاء إقليمي جديد ؟
الوفد اللبناني في العراق
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

 

المحرر السياسي- لم يكن كلام رئيس الحكومة نواف سلام بعد زيارته إلى العراق مجرد إعلان عن مشاريع اقتصادية، بل حمل إشارات سياسية تتجاوز الاقتصاد نفسه فعندما يتحدث عن "تعزيز الترابط الإقليمي لما فيه فائدة متبادلة للجميع"، ثم يترجم ذلك بمشاريع لربط لبنان بخط البصرة–طرابلس، وإعادة تأهيل خزانات النفط، وإنشاء مصفاة جديدة، وتطوير المنطقة الاقتصادية الخاصة، وتعزيز التعاون الكهربائي مع تركيا، فإن الصورة تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، لتلامس إعادة رسم موقع لبنان داخل شبكة اقتصادية إقليمية جديدة.
هذه المشاريع تعني، إذا نُفذت، أن لبنان قد يعود منصة لوجستية بين الخليج والعراق وسوريا والبحر المتوسط، مستفيداً من مرفأ طرابلس وموقعه الجغرافي وخبرته في التخزين والخدمات النفطية. كما أنها تنسجم مع توجهات عراقية لزيادة إنتاج النفط، ومع رغبة دول المنطقة في بناء شبكات نقل وطاقة أقل كلفة وأكثر استقراراً.
لكن السؤال الحقيقي ليس اقتصادياً فحسب.
أين تقع إيران في هذه المعادلة؟
فالعلاقات اللبنانية–الإيرانية تمر بمرحلة أكثر برودة مما كانت عليه في السنوات الماضية، في ظل التوتر الذي رافق أزمة السفير الإيراني في بيروت، وفي ظل تباين واضح بين أولويات حكومة نواف سلام وأولويات طهران وحليفها الأساسي، حزب الله.
وبينما تتوسع مشاريع الربط الاقتصادي مع العراق وتركيا وسوريا، وتستمر الاتصالات العربية مع السعودية ومصر والأردن، يبدو أن لبنان الرسمي يقترب تدريجياً من فضاء إقليمي مختلف عن ذلك الذي تشكل خلال العقدين الماضيين.
ولا يعني ذلك بالضرورة انتقال لبنان إلى "محور سني" بالمعنى الأيديولوجي، فهذه الدول تختلف في سياساتها وتحالفاتها، لكن المشترك بينها هو تبني مقاربة تقوم على الدولة، والتنمية، والانفتاح الاقتصادي، والتعامل البراغماتي مع التوازنات الإقليمية. وهي مقاربة تختلف عن الرؤية التي يتبناها محور المقاومة، الذي يمنح الأولوية للصراع مع إسرائيل بوصفه الإطار الناظم لسياسته الإقليمية.
من هنا يصبح الخلاف مع حزب الله أعمق من مجرد خلاف على السلاح، لأنه يتعلق أيضاً بهوية لبنان الاقتصادية والاستراتيجية، وبالشبكة الإقليمية التي يريد الانتماء إليها.
وفي هذا السياق، يبرز مشهد سياسي يستحق التأمل.
ففي الوقت الذي لا يخفي فيه الرئيس السوري أحمد الشرع رغبته في الوصول إلى ترتيبات تنهي حالة الحرب مع إسرائيل، ولا تتردد دول عربية وإسلامية عديدة في بناء علاقات مباشرة أو غير مباشرة معها، لا تكاد تصدر مواقف سنية أو شيعية لبنانية حادة تجاه هذا المسار.
في المقابل، يتركز الجزء الأكبر من الانتقاد الداخلي على رئيس الجمهورية جوزاف عون، بسبب إدارته للمفاوضات  المباشرة مع إسرائيل في إطار ترتيبات أمنية وحدودية، رغم أن هذه المفاوضات لا تعني، حتى الآن، تطبيعاً للعلاقات ولا اتفاق سلام شاملاً.
وهنا يفرض التاريخ نفسه.
فلسنوات طويلة، كانت القيادات المارونية تُتهم بأنها تحمل مشروع سلام منفرد مع إسرائيل. تعرّض الرئيس أمين الجميل لانتقادات قاسية بسبب اتفاق 17 أيار، على الرغم من أن الاتفاق أُلغي لاحقاً ولم يدخل حيز التنفيذ بصورة كاملة.
واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، يعود جزء من الخطاب نفسه ليستهدف رئيس الجمهورية الحالي، رغم اختلاف الظروف والسياقات، ورغم أن دولاً عربية وإسلامية، من أذربيجان إلى تركيا، مروراً بالإمارات والبحرين والمغرب ومصر والأردن، تقيم بدرجات متفاوتة علاقات مع إسرائيل، سواء كانت علاقات سلام، أو تعاوناً أمنياً، أو شراكات اقتصادية، بينما تبحث سوريا نفسها عن ترتيبات جديدة.
وهذا يثير سؤالاً سياسياً مشروعاً:
لماذا يصبح أي انفتاح يقوم به رئيس جمهورية ماروني موضع تخوين، فيما يُنظر إلى خطوات مشابهة تقوم بها دول عربية أو إسلامية باعتبارها خيارات سيادية أو براغماتية؟
ولا يعني هذا السؤال تبرير أي خيار سياسي أو الدعوة إلى التطبيع، بل يدعو إلى توحيد معايير الحكم على السياسات، بحيث تُناقش الخيارات وفق مصالح الدولة اللبنانية وحدودها الدستورية، لا وفق هوية من يتخذ القرار أو انتمائه الطائفي.
إن زيارة نواف سلام إلى بغداد قد تكون، إذا استكملت عملياً، بداية انتقال لبنان من اقتصاد يعيش على المساعدات والتحويلات إلى اقتصاد يحاول استعادة دوره كممر للطاقة والتجارة في شرق المتوسط. لكن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطاً بحسم سؤال أكبر، هل يستطيع لبنان أن يندمج في شبكة إقليمية واسعة تمتد من الخليج والعراق وتركيا إلى المتوسط، فيما لا يزال قسم أساسي من الداخل اللبناني يعتبر أن أولويته الاستراتيجية تبقى مرتبطة بالمحور الإيراني؟
قد لا تكون زيارة نواف سلام إلى العراق حدثاً بروتوكولياً عادياً، بل تؤشر إلى محاولة إعادة تموضع لبنان داخل شرق أوسط يتغير بسرعة. غير أن هذا التموضع لن يُحسم بالمشاريع الاقتصادية وحدها، بل بقدرة الدولة على بناء توافق داخلي حول هويتها الاستراتيجية. فلبنان لا يستطيع أن يكون في الوقت نفسه جزءاً من شبكة إقليمية تقوم على التكامل الاقتصادي، وجزءاً من مشروع إقليمي يقوم على أولوية الصراع المفتوح، من دون أن يدفع أثمان هذا التناقض. والسؤال الذي سيبقى مطروحاً هو هل ينجح اللبنانيون في صياغة رؤية وطنية موحدة لموقع بلدهم، أم يبقى كل انفتاح خارجي مادة جديدة لانقسام داخلي يعطل قيام الدولة؟

ما يلفت في الوفد اللبناني برئاسة نواف سلام أنه ضمّ طرفي نقيض في السياسة، فمن جهة ضمّ الوفد وزير المالية ياسين جابر المحسوب على حركة أمل ومن جهة ثانية برز وزير الطاقة والمياه جو صدي المحسوب على القوات اللبنانية ولا يبتعد عنه وزير الاتصالات شارل الحاج؟

فهل هي مجرد تركيبة تقنية لوفد رسمي أم تحمل الهوية السياسية للوزراء دلالات أخرى؟ 

 

آخر الأخبار