من الشريط الحدودي إلى المنطقة الأمنية... هل تفاوض إسرائيل على احتلالٍ مقنّع ؟
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- قبل خمسين عاماً دخل الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان تحت عنوان "عملية الليطاني". وبعدها بأربع سنوات وصل إلى بيروت، قبل أن ينتهي الأمر بشريط حدودي احتلته إسرائيل قرابة عقدين من الزمن. يومها كان الاحتلال مشروعاً عسكرياً معلناً. أما اليوم، فلا أحد يتحدث رسمياً عن احتلال طويل، بل عن "منطقة أمنية" و"ترتيبات ميدانية" و"ضمانات أمنية". لكن السؤال الذي يفرض نفسه، هل تغيرت المصطلحات فقط، أم أن الفكرة بقيت هي نفسها؟
اللافت أن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين في الأشهر الأخيرة لا تربط الانسحاب بتاريخ محدد، بل بتحقق شرط سياسي ـ أمني هو نزع سلاح حزب الله أو التأكد من عدم عودته إلى الحدود. وهذا يعني أن معيار الانسحاب لم يعد زمنياً، بل أصبح مرتبطاً بتقدير إسرائيلي مفتوح، الأمر الذي يجعل "المنطقة الأمنية" قابلة للاستمرار طالما بقيت إسرائيل تعتبر أن الخطر لم ينته.
وهنا تحديداً تكتسب مفاوضات روما أهميتها. فالمفاوضات لا تدور فقط حول انسحاب من نقاط أو إعادة انتشار قوات، بل حول تعريف الأمن نفسه. لبنان يريد انسحاباً كاملاً يسبقه أو يرافقه انتشار الجيش اللبناني، فيما تسعى إسرائيل إلى تثبيت معادلة مختلفة، أمن إسرائيل أولاً، والانسحاب لاحقاً عندما تقتنع هي بأن الظروف أصبحت مناسبة.
المشكلة أن لبنان يدخل هذه المفاوضات وهو منقسم حول السؤال الجوهري، من يملك قرار الحرب والسلم؟ فالدولة تفاوض باسم لبنان، لكن ملف السلاح لا يزال موضع نزاع داخلي. ولذلك فإن أي التزام لبناني في روما سيبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على تنفيذ ما توقع عليه، لا بمجرد التوقيع نفسه.
لقد تغيّر المشهد جذرياً. فـحزب الله الذي نشأ أساساً لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي عام 1982 يجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف، فبعد أن تحول إلى قوة إقليمية مرتبطة بالمشروع الإيراني، بات المجتمع الدولي ينظر إلى سلاحه بوصفه جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي، لا مجرد أداة مقاومة محلية. وهذا التحول ينعكس مباشرة على طبيعة المفاوضات الجارية، لأن إسرائيل والولايات المتحدة تحاولان تحويل أي انسحاب إلى نتيجة لمسار ينتهي بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.
ربما لا تعود إسرائيل إلى احتلال الجنوب بالطريقة التي عرفها اللبنانيون بين عامي 1978 و2000، لكن الخطر يكمن في أمر آخر، أن يتحولالاحتلال العسكري المؤقت إلى واقع تفاوضي دائم، وأن تصبح "المنطقة الأمنية" بديلاً من الاحتلال التقليدي، كما تصبح المفاوضات وسيلة لإدارة النزاع لا لإنهائه. عندها لن يكون السؤال كم سنة سيبقى الاحتلال، بل كم سنة سيبقى لبنان عاجزاً عن استعادة سيادته كاملة، بسبب الانقسام الداخلي بقدر ما تسببه الضغوط الخارجية والارتباطات الاقليمية من اجترار للمعضلة من دون أفق للحل الجذري.