من يدير الجنوب اللبناني... لبنان أم الأميركيون والإيرانيون؟
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- كلما شهد الجنوب اللبناني ترتيبات أمنية جديدة، يعود سؤال قديم بصيغة جديدة، من هي المرجعية الفعلية التي تدير هذا الملف؟ وهل ما يجري اليوم يمثل انتقالاً في المرجعية القانونية، أم أنه مجرد تبدل في آليات التنفيذ التي تفرضها الوقائع السياسية والعسكرية؟
هذا السؤال لا يقتصر على الجوانب القانونية، بل يتصل أيضاً بطبيعة النظام الدولي نفسه. ففي النزاعات المعقدة، كثيراً ما تتداخل النصوص القانونية مع موازين القوى، بحيث يصبح تنفيذ القرارات الدولية رهناً بالدول القادرة على فرضها أو ضمانها، لا بالمنظمات التي أصدرتها.
من الناحية القانونية، تبدو الصورة واضحة نسبياً. فما زالت اتفاقية الهدنة لعام 1949، وقرارات مجلس الأمن، وفي مقدمها القراران 425 و1701، تشكل الإطار القانوني الذي يحكم العلاقة اللبنانية – الإسرائيلية. كما أن الأمم المتحدة، عبر قواتها العاملة في جنوب لبنان ولجانها المختصة، لا تزال تتمتع بالصفة الدولية التي تمنحها الشرعية في متابعة تنفيذ هذه القرارات.
لكن السياسة كثيراً ما تتحرك في مساحة تختلف عن القانون. فخلال العقود الماضية، لم تكن الأمم المتحدة وحدها اللاعب المؤثر في إدارة الأزمات الحدودية، إذ برزت الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسوريا والولايات المتحدة في أكثر من محطة وسيطاً، أو ضامناً، أو شريكاً أساسياً في صياغة ترتيبات أمنية وسياسية، سواء التفاهم الذي نتج عن عملية "عناقيد الغضب" الإسرائيلية في نيسان 1996 في ما عُرف باسم تفاهم نيسان 1996 وهوليس اتفاقاً أو معاهدة رسمية، بل تفاهم سياسي–أمني برعاية الولايات المتحدة وفرنسا، وبموافقة لبنان وإسرائيل وسوريا، ثم في ترسيم الحدود البحرية أو في متابعة وقف إطلاق النار أو في رعاية التفاهمات الأمنية اللاحقة.
وهنا يصبح من الضروري التمييز بين مفهومين غالباً ما يجري الخلط بينهما، المرجعية القانونية والمرجعية التنفيذية. فالأولى تستند إلى القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، بينما الثانية تتحدد بقدرة دولة أو مجموعة دول على توفير الضمانات السياسية والعسكرية اللازمة لتطبيق تلك القرارات. وقد تتطابق المرجعيتان أحياناً، لكنهما ليستا بالضرورة شيئاً واحداً.
والواقع أن معظم النزاعات الدولية الحديثة تقدم أمثلة مشابهة، حيث بقيت الأمم المتحدة صاحبة الشرعية القانونية، فيما تولت قوى كبرى إدارة التفاصيل التنفيذية، سواء عبر لجان مراقبة أو آليات تنسيق أو اتفاقات أمنية خاصة. وهذا لا يعني بالضرورة انتقال الشرعية القانونية إليها، بل يعكس محدودية قدرة المؤسسات الدولية على فرض قراراتها من دون دعم الدول النافذة.
أما في الحالة اللبنانية، فإن أي تطوير للآليات الأمنية أو توسيع لدور أطراف دولية جديدة يثير أسئلة مشروعة حول مستقبل إدارة الجنوب. فهل نحن أمام تعزيز للأدوات التنفيذية ضمن الإطار القانوني القائم، أم أمام نشوء منظومة سياسية جديدة تفرض واقعاً مختلفاً؟ والإجابة لا تزال مرتبطة بما ستؤول إليه التفاهمات الإقليمية خصوصا الأميركية الايرانية، وبمدى قدرة الدولة اللبنانية على تثبيت حضورها الميداني، وبالاتجاه الذي ستسلكه العلاقة بين الأمم المتحدة والدول المنخرطة مباشرة في الملف، أي الولايات المتحدة وايران.
لا ينبغي النقاش أن ينحصر في تحديد اسم الجهة الأكثر حضوراً على الأرض، بل في فهم طبيعة الأدوار التي يؤديها كل طرف. فوجود الولايات المتحدة الأميركية كقوة مؤثرة في إدارة الترتيبات الأمنية لا يعني تلقائياً أنها أصبحت المرجعية القانونية للنزاع، كما أن بقاء الأمم المتحدة صاحبة الشرعية الدولية لا يعني بالضرورة أنها اللاعب الأكثر تأثيراً في التنفيذ.
وبين القانون الذي يمنح الشرعية، والسياسة التي تصنع الوقائع، يبقى الجنوب اللبناني مساحة تتقاطع فيها النصوص الدولية مع موازين القوى، وهي معادلة مرشحة للاستمرار ما لم يفضِ النزاع نفسه إلى تسوية سياسية شاملة تنقل المنطقة من إدارة الأزمات إلى إنهاء أسبابها.
وفي هذا السياق، لا بدّ من مراقبة التسابق الأميركي الإيراني على الإمساك بورقة الجنوب من دون إسقاط دور إسرائيل في رسمها استراتيجية الطوق الأمني الممتد من غزة الى الناقورة.
أما الاعتراض على اتفاق الإطار بذريعة أنه "غير متوازن"، فيتجاهل حقيقة أساسية هي أن التوازن لا يُولد على طاولة المفاوضات، بل يُصنع في ميدان الصراع. فمن لم ينجح في فرض وقائع ميدانية تمنحه أوراق قوة إضافية، لا يستطيع أن ينتزع اتفاقاً بشروطه. ولذلك، فإن المطالبة باتفاق أكثر توازناً تبدو أقرب إلى المطالبة بالمستحيل في ظل اختلال موازين القوى. ويزداد الأمر تعقيداً عندما يربط حزب الله خياراته بالمسار الإيراني، فيما يبقى الوزن الأميركي، سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً، العامل الأكثر تأثيراً في رسم قواعد اللعبة وإدارة المرحلة المقبلة.