هجوم على عون... وصمتٌ تجاه الجيش: الرسالة المخفية لـحزب الله
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- مع انطلاق الزيارة المفصلية التي يقوم بها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن، بدا واضحاً أن المشهد الداخلي اللبناني دخل مرحلة جديدة من إعادة رسم خطوط الاشتباك السياسي. فـحزب الله اختار أن يرفع منسوب هجومه على السلطة اللبنانية، ولا سيما رئاسة الجمهورية، إلى مستوى غير مسبوق منذ انتخاب عون، حتى وصل الأمر بأحد نوابه إلى الإعلان صراحة أن "الجسور باتت مقطوعة" مع الرئاسة الأولى.
هذه العبارة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد موقف إعلامي عابر، بل هي إعلان سياسي عن انتقال العلاقة من مرحلة التباين إلى مرحلة القطيعة، في توقيت بالغ الحساسية يتزامن مع أول اختبار خارجي كبير للعهد الجديد أمام الإدارة الأميركية.
لكن، وعلى الرغم من حدة التصعيد، فإن قراءة متأنية للمشهد تكشف وجود إشارتين لافتتين تستحقان التوقف عندهما.
الإشارة الأولى:على الرغم من إعلان القطيعة، فإن مستوى الهجوم على الرئيس عون بقي أقل بكثير مما شهدته الساحة اللبنانية في محطات سابقة، ولا سيما خلال زيارات الرئيس الراحل رفيق الحريري أو الرئيس سعد الحريري إلى واشنطن، حين كانت الحملات السياسية والإعلامية تتحول إلى مواجهة شاملة، في الشارع وفي الجبهات السياسية المتنوعة المدعومة من النظام السوري.
أما اليوم، ورغم استخدام لغة قاسية، فإن الحزب لم يفتح كل جبهاته السياسية والإعلامية، ولم يُطلق حملة تعبئة شعبية واسعة ضد رئيس الجمهورية، كما اعتاد في محطات مشابهة. وكأن الرسالة أرادت تسجيل اعتراض واضح، من دون الوصول إلى مرحلة كسر نهائي للعهد.
وهذا يعني أن الحزب، رغم اعتراضه على مسار الرئاسة، لا يزال يترك هامشاً لإعادة وصل ما انقطع إذا تبدلت الظروف السياسية أو تبدلت نتائج المفاوضات التي تراهن عليها واشنطن.
الإشارة الثانية:الأكثر إثارة للاهتمام أن الهجوم اقتصر عملياً على رئاسة الجمهورية، فيما غابت قيادة الجيش عن دائرة الاستهداف، رغم أن الجميع يدرك حجم التنسيق القائم بين قصر بعبدا وقيادة المؤسسة العسكرية، سواء في الملفات الأمنية أو في إدارة الجنوب أو في تنفيذ الالتزامات التي يفرضها الواقع الميداني.
هذا التحييد ليس تفصيلاً.
ففي مراحل سابقة، كان الحزب يربط بين المواقف السياسية والمؤسسة العسكرية عندما يعتبر أن الأخيرة تنخرط في سياسات لا يوافق عليها. أما اليوم، فقد بدا حريصاً على الفصل بين الرئاسة والجيش، وهو ما يفتح الباب أمام أكثر من تفسير.
أول هذه التفسيرات أن الحزب لا يريد الدخول في مواجهة مباشرة مع المؤسسة العسكرية التي ما زالت تمثل بالنسبة إلى غالبية اللبنانيين المؤسسة الوطنية الأكثر تماسكاً، خصوصاً في ظل الظروف الأمنية الدقيقة التي يعيشها الجنوب.
أما التفسير الثاني، فهو أن الحزب يدرك أن أي صدام سياسي مع الجيش قد يمنح خصومه فرصة لتصويره في مواجهة آخر مؤسسات الدولة الجامعة، وهو أمر يحاول تجنبه في هذه المرحلة الحساسة.
ويذهب تفسير ثالث إلى أن الحزب يحرص على إبقاء خطوط التواصل الأمنية والعسكرية قائمة، حتى وإن تعطلت قنوات التواصل السياسية مع الرئاسة، لأن المرحلة المقبلة قد تفرض تنسيقاً ميدانياً لا يمكن الاستغناء عنه.
من الواضح أن التصعيد لا يستهدف الداخل اللبناني وحده، بل يحمل أيضاً رسالة إلى واشنطن مفادها أن أي تفاهمات قد تُبحث مع رئيس الجمهورية لن تكون قابلة للتنفيذ إذا تجاوزت موازين القوى الداخلية أو حاولت فرض وقائع جديدة تتعلق بسلاح الحزب أو بدوره الأمني.
وفي المقابل، يحاول الحزب أن يبعث برسالة معاكسة إلى الداخل اللبناني، مفادها أن الذهاب بعيداً في الانفتاح على الولايات المتحدة ستكون له كلفة سياسية داخلية، وأن الرئاسة ليست بمنأى عن هذه الكلفة.
غير أن الحزب، في الوقت نفسه، يتجنب الوصول إلى نقطة اللاعودة، فيترك باباً موارباً أمام إمكان إعادة تنظيم العلاقة مع رئاسة الجمهورية إذا أظهرت نتائج زيارة واشنطن أن سقف الضغوط الأميركية أقل مما يخشاه، أو إذا نجح الرئيس عون في تحقيق توازن بين الانفتاح على الغرب والحفاظ على الاستقرار الداخلي.
لذلك، قد لا يكون الإعلان عن "قطع الجسور" وصفاً نهائياً أو دقيقاً للعلاقة بين الطرفين، بقدر ما هو وسيلة ضغط سياسي في لحظة تفاوض إقليمية ودولية معقدة.
فالسياسة اللبنانية أثبتت مراراً أن الجسور التي تُعلن مقطوعة في الإعلام تعود لتُبنى عندما تتغير موازين القوى أو تتبدل الحسابات. أما الثابت اليوم فهو أن زيارة واشنطن لم تعد مجرد محطة دبلوماسية للرئيس جوزاف عون، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمعادلة الحكم في لبنان، كيف يمكن لرئيس الجمهورية أن يفتح أبواب الدعم الدولي من دون أن يخسر القدرة على إدارة التوازنات الداخلية، وكيف يستطيع "حزب الله" أن يرفع سقف اعتراضه من دون أن يدفع البلاد إلى مواجهة شاملة مع مؤسسات الدولة التي لا يزال يحتاج إليها في إدارة المرحلة المقبلة.