زلفا شمعون والدولة اللبنانية: أيقونتا مهرجانات بعلبك
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
ليبانون تابلويد- يتوالى تكريم "مهرجانات بعلبك الدولية" في الذكرى السبعين لانطلاقتها، وآخر هذه المحطات في الجامعة الأميركية، بعد عجلتون، في مشهد يستدعي التوقف عند الجهود التي تبذلها لجنة المهرجانات الحالية للاستمرار، بزخم ومستوى، في زمن الانهيارات.
فإذا كانت "مهرجانات بعلبك" قد تحولت إلى واحدة من أبرز العلامات الثقافية والفنية في تاريخ لبنان الحديث، فإن للأصل أيقونتين لا يمكن فصلهما عن نشأتها: زلفا شمعون، والدولة اللبنانية التي كانت، في عهد الرئيس كميل شمعون تحديدا، دولة راعية للثقافة والفنون.
تحضر زلفا شمعون في بعض هذه التكريمات، ولو هامشيّا، لكنّها شخصية ترسخت في تاريخ الثقافة اللبنانية. فقد كانت وراء تأسيس لجنة عملت على بلورة مشروع فني وثقافي حديث، واستطاعت أن تجعل من بعلبك منصة تتلاقى فيها الفنون اللبنانية والعربية والعالمية. والأهم أنها لم تنظر إلى المهرجانات بوصفها حدثاً فنياً منفصلاً، بل وضعتها في مشروع أوسع عنوانه إبراز لبنان بوصفه مساحة للإبداع الثقافي والفني، من المسرح إلى الموسيقى والفنون التشكيلية وسائر أشكال التعبير.
من هنا، تبدو زلفا شمعون أكبر من مجرد اسم يُستعاد في الذكرى السبعين. إنها جزء من فكرة لبنان الثقافي نفسه.
لكن ثمة أيقونة ثانية لا تقل أهمية: الدولة اللبنانية.
فالذين يستعيدون مجد مهرجانات بعلبك لا يمكنهم اختزال التجربة في المبادرة الفردية، مهما كان حجم أصحابها. وراء تلك التجربة كانت دولة تنظر إلى الثقافة باعتبارها وظيفة من وظائفها، وتعرف أن الاستثمار في الفن ليس ترفاً، وأن صورة لبنان لا تُصنع بالسياسة والاقتصاد وحدهما.
كانت لجنة مهرجانات بعلبك نموذجاً مبكراً لعلاقة مختلفة بين الدولة والمبادرة الخاصة. فقد جمعت شخصيات ثقافية وفنية واجتماعية، وفتحت المجال أمام المبادرة الفردية والرعاية الخاصة، من دون أن يعني ذلك انسحاب الدولة من مسؤوليتها. بل كان حضور الدولة جزءاً من البيئة التي سمحت للمشروع بأن ينمو ويتحول إلى مؤسسة ذات إشعاع دولي.
وهذا المعنى يظهر أيضاً في تجربة الإذاعة اللبنانية في تلك المرحلة، ولا سيما في اتساع إمكانات إذاعة لبنان واستوديوهاتها لإنتاج أعمال فنية وثقافية واسعة بتمويل الدولة ورعايتها. لم تكن الثقافة آنذاك شأناً هامشياً، بل إحدى أدوات بناء صورة لبنان في الداخل والخارج.
لذلك فإن الاحتفال بسبعين عاماً على مهرجانات بعلبك لا ينبغي أن يقتصر على استعادة أسماء العروض والفنانين، مهما كانت أهميتها. السؤال الأعمق هو كيف استطاعت دولة لبنانية ناشئة، في زمن كانت فيه وسائل الاتصال محدودة والوعي الجماعي بالفنون الحديثة أقل انتشاراً، أن تنشئ مؤسسة ثقافية بمستوى عالمي،وبخطوة سبّاقة في الشرق الأوسط؟
في الذكرى السبعين، لا تحتاج زلفا شمعون إلى تكريم إضافي بالمعنى التقليدي، ولا يحتاج عهد الرئيس كميل شمعون وانجازاته الى تقييم، أو التوقف عند أسماء كمي عريضة، بل تشكل مهرجانات بعلبك، ولجانها المتعاقبة حتى اللجنة الحالية برئاسة السيدة نايلا دو فريج، الى التعمّق بظاهرة هذه اللجنة ودورها في جمع المبادرة الفردية مع المبادرة العامة، فلم تبدأ مهرجانات بعلبك الدولية من فراغ، كان وراءها، دوماً، "امرأة لبنانية" تحمل مشروعاً ثقافياً، ودولة لبنانية كانت تمتلك يومها رؤية لدورها في رعاية الفنون.
في الذكرى السبعين، نستعيد ذكرى الأيقونتين: زلفا شمعون، والدولة اللبنانية.