قاسم وتراث نصرالله... أين لبنان؟
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
أنطوان سلامه- تستحق كلمة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، في المناسبة التي أطلق فيها مؤسسة تُعنى بحفظ تراث السيد حسن نصر الله، قراءة تتجاوز المواقف المباشرة إلى ما غاب عنها أيضاً. فاستعادة تراث قائد لا تكشف فقط ما يريد خلفه أن يحفظه منه، بل تكشف كذلك ما يريد تقديمه منه في المرحلة الراهنة.
من هذه الزاوية، يلفت الانتباه غياب البُعد اللبناني كبُعد أساسيّ، وغياب البعد التاريخي والجنوب العامليّ، عن الثوابت التي استعادها قاسم، وهي كانت حاضرة في كل اطلالة لنصرالله، الى جانب ثوابت المقاومة الاسلامية والتحرير والصراع مع إسرائيل والالتزامات الدينية ...
وهذه الثوابت اللبنانية هُمشّت في كلمة قاسم ليحضر لبنان في مسألة الانسحاب الإسرائيلي، وحصرية السلاح، والاستعداد للتعاون في الشأن الداخلي ضمن الأطر الدستورية ومن دون إملاءات خارجية.
لا يعني ذلك أن الحزب تخلّى عن وثيقته السياسية الثانية، أو أن قاسم أعلن عودة إلى الوثيقة التأسيسية الأولى عام 1985. فهذا استنتاج يحتاج إلى أكثر من خطاب. لكن المقارنة بين الوثيقتين وبين الخطاب الحالي تطرح سؤالاً مشروعاً،هل يعود الحزب إلى إبراز بعض ثوابت مرحلته التأسيسية على حساب المساحة اللبنانية التي توسعت في خطابه منذ وثيقة 2009؟
كانت وثيقة 1985 أقرب إلى إعلان عقائدي تأسيسي، يقوم على رؤية تتجاوز الحدود اللبنانية، وعلى مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة والارتباط بالمشروع الإسلامي العام وولاية الفقيه. أما وثيقة 2009، فجاءت بعد تجربة طويلة داخل المجتمع والدولة، فأضافت إلى الخلفية الأيديولوجية والاستراتيجية للحزب طبقة لبنانية أوضح: المشاركة السياسية، النظام الدستوري، العلاقات بين الطوائف، ومفهوم الدولة.
وهذه النقلة مهمة في قراءة تراث حسن نصرالله نفسه. فقد نجح خلال عقود في تحويل حزب الله من تنظيم اسلاميّ مقاوم ذي خطاب تأسيسي إلى قوة سياسية وعسكرية واجتماعية متجذرة في الحياة اللبنانية، من دون أن يتخلى عن مشروعه الإقليمي أو رؤيته للصراع مع إسرائيل.
لذلك، فإن السؤال الذي تثيره كلمة قاسم ليس فقط، ماذا بقي من حسن نصرالله؟ بل أيّ حسن نصرالله يجري استحضاره اليوم؟
يبدو خطاب قاسم، في بعض مفاصله، أكثر ميلاً إلى استعادة الأولويات القديمة، علماً أنّ نصر الله لم يكن فقط أميناً عاماً قاد المقاومة ضد إسرائيل، أو شخصية إسلامية اعتبرت الجنوب أرض جهاد فقط من دون خلفية تاريخية وثقافية، بل كان أيضاً شخصية سياسية لبنانية خاضت الانتخابات والتحالفات والتسويات والصراعات الداخلية، وتحدثت عن الشراكة الوطنية والعيش المشترك. وهذا الجانب من تراثه أقل حضوراً في خطاب قاسم.
بين وثيقة 1985 ووثيقة 2009 مسافة أربعة وعشرين عاماً من التحولات في الحزب ولبنان والمنطقة. وربما تكشف كلمة نعيم قاسم أن الصراع على تعريف المقاومة لم يعد محصوراً في السلاح، بل بات يتعلق بالسؤال الأوسع، هل المقاومة الاسلامية جزء من لبنان، أم أن لبنان جزء من مشروع المقاومة الاسلامية؟
والسؤال الأهم، أيّ نصرالله يستعيده حزب الله اليوم؟ نصرالله القائد الإسلامي الجهادي، أم نصرالله القائد اللبناني الذي انطلق من هويته الشيعيّة؟