Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
أخبار العالم

الرئيس دونالد ترامب ذكي أم لا؟

.ينتقد كتاب وصحافيون وأكاديميون غربيون وشرقيون الرئيس ترامب لسوء معرفته بالتاريخ والسياسة، ويرى مؤيدوه أنه يمتلك نوعاً آخر من الذكاء
دونالد ترامب
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

أنطوان سلامه - يحلو لعدد من اللبنانيين بخلفيات سياسية وايديولوجية معادية للولايات المتحدة الأميركية التقليل من نسبة النخبة الأميركية الواعية للشؤون الدولية، وتذهب أكثر الى الافتراض ان الولايات المتحدة تتجه الى نهايتها كقوة عالمية قاطرة وتجزم أنّ هذا المصير  سيتم على يدي الرئيس دونالد ترامب.
 منذ دخوله البيت الأبيض للمرة الأولى، يكاد لا يخلو كتاب أو مقال في الصحافة الغربية والعربية واللبنانية من الإشارة إلى افتقار دونالد ترامب إلى الثقافة السياسية التقليدية، وضعف معرفته بالتاريخ والجغرافيا والعلاقات الدولية، بل إن بعض مساعديه السابقين وصفوا أسلوبه في اتخاذ القرار بأنه يقوم على الحدس أكثر مما يقوم على الدراسة. ومع ذلك، نجح الرجل مرتين في الوصول إلى الرئاسة، بينما أخفقت شخصيات أكثر علماً وخبرة.
تفرض هذه المفارقة سؤالاً مختلفاً عن الأسئلة الروتينية، فهل المشكلة في ترامب، أم في النخبة الأميركية نفسها؟
قبل أشهر، نشرت مجلة Nature دراسة كشفت أن النخبة الأميركية لا تتكون بصورة عشوائية، بل تخرج بمعظمها من عدد محدود جداً من الجامعات، مثل هارفارد وييل وبرينستون وستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
ورغم أن هذه الجامعات لا تضم إلا نسبة صغيرة من الطلاب الأميركيين، فإنها تنتج نسبة كبيرة من الرؤساء التنفيذيين والقضاة وكبار السياسيين وقادة الإعلام والاقتصاد.
أي أن الولايات المتحدة، رغم خطابها عن تكافؤ الفرص، تعيد إنتاج نخبها من المؤسسات نفسها تقريباً.
في المقابل، تظهر بيانات "مكتب الإحصاء الأميركي" أن أكثر من ثلث الأميركيين يحملون شهادة جامعية، وأن التعليم العالي أصبح واسع الانتشار.
لكن دراسات عدة تكشف حقيقة مختلفة.
فالمشكلة ليست في امتلاك شهادة جامعية، بل في الانتماء إلى النادي الضيق الذي يصنع النخب.بمعنى آخر، هناك فرق بين المجتمع المتعلم، والمجتمع الذي يحتكر إنتاج السلطة.
هنا يصبح ترامب ظاهرة أكثر منه شخصاً.
فهو لا يقدم نفسه بوصفه ممثلاً لهذه النخبة الجامعية التقليدية، بل يقدم نفسه باعتباره خصمها.
ولهذا لم يكن صراعه الحقيقي مع الحزب الديمقراطي فقط، بل مع ما يسميه الأميركيون The Establishment، أي المؤسسة السياسية والإدارية والإعلامية والأكاديمية التي احتكرت القرار لعقود.
ولهذا أيضاً كان هجومه الدائم على الجامعات ووسائل الإعلام الكبرى ، والبيروقراطية الفيدرالية، وأجهزة الاستخبارات، والخبراء، ومراكز التفكير.
المفارقة أن كثيراً من وسائل الإعلام الغربية تصف ترامب بأنه أقل معرفة من معظم الرؤساء الأميركيين .وربما يكون ذلك صحيحاً من حيث الثقافة الأكاديمية.لكن الناخب الأميركي لم ينتخبه ليكون أستاذاً في جامعة "هارفارد"بل انتخبه - بالنسبة إلى مؤيديه - لأنه ليس واحداً من تلك النخبة.
وهنا تكمن المفارقة.
فقد يكون افتقاره إلى الصفات التي تراها النخبة شرطاً للقيادة، هو نفسه ما جعله مقبولاً لدى ملايين الأميركيين الذين فقدوا الثقة بتلك النخبة.
ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل ترامب ذكي أم لا؟
بل سؤال آخر أكثر أهمية:
إذا كانت الجامعات الأميركية المرموقة تنتج معظم النخبة السياسية والاقتصادية والإعلامية والعلمية، وإذا كانت هذه النخبة هي التي أدارت الولايات المتحدة لعقود، فلماذا اختار قسم كبير من الأميركيين رجلاً يعلن كل يوم تقريباً تمرده عليها؟
عندها يصبح ترامب أقل أهمية من الظاهرة التي يمثلها.
فقد يكون الرجل، بكل ما يثيره من جدل، تعبيراً عن أزمة ثقة عميقة بين المجتمع الأميركي والنخبة التي احتكرت إنتاج السلطة والمعرفة والنفوذ منذ عقود، أكثر مما يكون مجرد رئيس مختلف في أسلوبه أو ثقافته.
لعل المفارقة الكبرى أن الرجل الذي تصفه قطاعات من الإعلام الغربي بأنه يفتقر إلى الثقافة الأكاديمية التي تميز النخب الأميركية، هو نفسه الذي أدار أخطر مواجهة مع إيران من دون أن يجعل الحرب هدفاً نهائياً. فقد استخدم القوة للوصول إلى التفاوض، والتفاوض لتثبيت نتائج القوة، في سلوك لا يشبه كثيراً المدرسة التقليدية التي خرجت من الجامعات الأميركية النخبوية. وهنا لا يعود السؤال: هل كان ترامب أكثر ذكاءً من تلك النخب؟ بل هل تكفي المعرفة الأكاديمية وحدها لإدارة الحرب والسلام، أم أن السياسة الدولية تبقى، في لحظاتها الحاسمة، مزيجاً من القوة والحدس والقدرة على اقتناص الفرصة؟ 
يبقى سؤال آخر لا يقل أهمية: من أي أرضية ينطلق بعض اللبنانيين الذين يستخفون بالقدرات الأميركية، وكأن الولايات المتحدة مجرد دولة كبيرة يمكن قياس قوتها بعدد السكان أو بحجم الجدل السياسي الذي يرافق إداراتها؟
تُظهر الإحصاءات أن عدد سكان الولايات المتحدة يتجاوز 340 مليون نسمة، بينما لا تمثل النخبة التي تتولى قيادة مفاصل القرار والاقتصاد والبحث العلمي والإعلام سوى نسبة ضئيلة للغاية من هذا المجتمع، لا تتجاوز بضع مئات الآلاف من الأشخاص(370ألف). غير أن ضآلة العدد لا تعني ضآلة التأثير، بل على العكس، فهي تعكس قدرة استثنائية على تركيز المعرفة والموارد وصناعة القرار.
فهذه النخبة تقود أقوى مؤسسة عسكرية في العالم، وتدير المجمع الصناعي العسكري الذي يقف وراء أكثر التقنيات الدفاعية تطوراً، وتقود الجامعات ومراكز الأبحاث التي تنتج جانباً كبيراً من الابتكار العلمي العالمي. ومنها خرجت الشركات التي أعادت تشكيل الاقتصاد الرقمي، مثل Microsoft وApple وNVIDIA وGoogle وAmazon وMeta وOracle، كما تضم منظومة الترفيه والإعلام التي تمتلك تأثيراً عالمياً، من Netflix وDisney إلى Warner Bros. Discovery وComcast/NBCUniversal وParamount. ويضاف إلى ذلك مؤسسات مالية عملاقة مثل JPMorgan Chase وGoldman Sachs وBlackRock، وشركات رائدة في الصناعات الجوية والفضائية والدفاعية مثل Lockheed Martin وBoeing وNorthrop Grumman، فضلاً عن شركات الفضاء الخاصة التي أعادت رسم حدود السباق الفضائي، وفي مقدمتها SpaceX .
وليس من قبيل المصادفة أيضاً أن تتصدر الجامعات الأميركية، وفي طليعتها هارفارد وستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، التصنيفات العالمية، وأن يكون للولايات المتحدة النصيب الأكبر من الحائزين على جوائز نوبل في العلوم والاقتصاد، وأن تستقطب أفضل الباحثين والمبتكرين من مختلف أنحاء العالم.
لهذا، فإن الاستهانة بالقدرات الأميركية لا تعكس قراءة دقيقة لموازين القوة، بل اختزالاً لمفهوم القوة نفسه. فالولايات المتحدة لا تستمد نفوذها من تفوق عسكري أو اقتصادي فحسب، وإنما من منظومة متكاملة تجمع بين الجامعة، والبحث العلمي، والابتكار، ورأس المال، والإعلام، والقدرة على تحويل المعرفة إلى قوة استراتيجية. وقد تواجه هذه المنظومة منافسة متزايدة من الصين في التكنولوجيا والصناعة، ومن قوى أخرى في مجالات محددة، لكنها لا تزال تمتلك قدرة استثنائية على إنتاج التفوق وإعادة إنتاجه، وهو ما يفسر استمرار حضورها في قلب النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم.
هنا فإن فهم السياسة الأميركية يبدأ بفهم قوة مؤسساتها، لا بالاكتفاء بالحكم على شخصية رئيسها.

 

آخر الأخبار