روما تتعثر... وإسرائيل ترسم الجنوب بالنار
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- بينما تنتظر بيروت ما إذا كانت مفاوضات روما اللبنانية ـ الإسرائيلية ستُستأنف، ومتى، يستمر الجنوب في إنتاج وقائع جديدة على الأرض. فالجولة الأخيرة انتهت من دون اختراق واضح، ولم يتحدد حتى الآن موعد واضح للجولة المقبلة، ما يعكس حجم العقد التي لا تزال تحول دون الانتقال من التفاهمات العامة إلى ترتيبات عملية قابلة للتنفيذ.
المفارقة أن المفاوضات يفترض أن تبحث في كيفية تثبيت الهدوء، وترتيبات الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، وآليات الانتقال من الوضع الحالي إلى واقع أمني أكثر استقرارًا. لكن الميدان يسير في الاتجاه المعاكس: قصف، تفجير منازل ومنشآت، عمليات هدم، تحليق مسيّرات، وتوغلات محدودة في عدد من البلدات والمناطق الجنوبية.
وفي الساعات الماضية، برزت مجددًا تفجيرات واسعة في زوطر الشرقية ومركبا ورب ثلاثين، إلى جانب إحراق منازل في الخيام واستمرار العمليات العسكرية فيها، فيما سجلت ميس الجبل تحركًا إسرائيليًا في منطقة حوشين وإطلاق رشقات باتجاه وادي السلوقي، بالتوازي مع القصف المدفعي على المنصوري.
لكن العنوان الأكثر دلالة في هذه المرحلة هو علي الطاهر.
فالمعركة حول هذه التلال لا تبدو تفصيلًا ميدانيًا منفصلًا عن مسار روما، بل تكاد تكون صورة مكبرة للصراع على شكل الجنوب الذي سيخرج من هذه المفاوضات، إذا خرجت منها تسوية أصلًا.
تلال علي الطاهر، بما لها من موقع مرتفع وإشراف على النبطية ومحيطها، تمثل قيمة ميدانية كبيرة. وقد أصبحت خلال الفترة الأخيرة محورًا متكررًا للعمليات الإسرائيلية. وفي المقابل، تتحدث تقارير عن منشآت وأنفاق تابعة لحزب الله في المنطقة، لكن بعض هذه المعطيات يبقى في إطار التقارير والتقديرات التي لا يمكن التحقق من جميع تفاصيلها بصورة مستقلة.
وهنا تكمن أهمية المعركة.
إسرائيل لا تتعامل مع علي الطاهر باعتبارها مجرد تلة، بل باعتبارها جزءًا من منظومة ارتفاعات تريد أن تضمن ألا تتحول مجددًا إلى قاعدة ارتكاز عسكرية لحزب الله. وفي المقابل، فإن أي محاولة لإخراج هذه المرتفعات من المعادلة العسكرية تعني بالنسبة إلى الحزب خسارة جزء من البيئة الجغرافية التي كان يعتمد عليها في الجنوب.
لذلك يصبح السؤال أكبر من: من يسيطر على علي الطاهر؟
السؤال الحقيقي هو: من يرسم الخريطة الأمنية للجنوب قبل أن تصل المفاوضات إلى نهايتها؟
فإذا كانت روما تبحث في ترتيبات الانسحاب والانتشار والسيطرة الأمنية، فإن استمرار العمليات الإسرائيلية يعني أن الوقائع التي ستصل إلى طاولة التفاوض ليست هي نفسها التي كانت موجودة قبل أسابيع. وكل موقع جديد، وكل تدمير جديد، وكل نقطة يتم تثبيتها ميدانيًا، يمكن أن يتحول لاحقًا إلى ورقة تفاوضية.
وهذا ما يجعل تعثر الجولة الأخيرة أكثر من مجرد تأخير تقني في تحديد موعد جديد.
فالجانب الإسرائيلي كان قد ربط الانسحاب التدريجي من بعض المناطق بمستوى أداء الدولة اللبنانية والجيش اللبناني، وبالتأكد من عدم وجود حزب الله في المناطق التي يجري الانسحاب منها. وفي المقابل، يريد لبنان أن يتحول الاتفاق الإطاري إلى مسار يؤدي فعليًا إلى انسحاب إسرائيلي وإلى استعادة الدولة سيطرتها على أراضيها.
بين الشرطين تقف المشكلة الأساسية.
إسرائيل تقول عمليًا: الأمن أولًا ثم الانسحاب.
لبنان يقول: الانسحاب هو الطريق إلى تثبيت الأمن.
أما حزب الله، فيتعامل مع المسار من زاوية مختلفة تمامًا، رافضًا أن تتحول المفاوضات إلى آلية لإعادة رسم الجنوب أمنيًا على حساب وجوده وقدرته العسكرية.
وهكذا تبدو معادلة الجنوب اليوم وكأنها تسير على خطين متوازيين: خط دبلوماسي بطيء في روما، وخط ميداني سريع على الأرض.
وكلما تأخرت المفاوضات، ازدادت أهمية الميدان.
من هنا لا يمكن فصل ما يجري في علي الطاهر عما يجري في بنت جبيل وميس الجبل والخيام وزوطر ومركبا ورب ثلاثين. فالمسألة ليست فقط عدد الغارات أو المنازل التي تُفجّر، بل نوع الواقع الذي يجري إنتاجه في الجنوب قبل أن تستأنف الطاولة عملها.
وإذا استمر غياب موعد واضح للجولة المقبلة، فإن الخطر لا يكمن فقط في موت المسار التفاوضي، بل في أن يتحول الجنوب إلى مساحة تتولى الوقائع العسكرية فيها مهمة رسم ما عجزت المفاوضات عن حسمه.
وهنا تصبح روما أمام اختبار حقيقي:
هل تستطيع المفاوضات أن توقف الميدان وتفرض عليه مسارًا سياسيًا، أم أن الميدان سيستمر في فرض شروطه على المفاوضين؟
في الحالة الأولى، يمكن أن تتحول التفاهمات إلى بداية انسحاب وترتيب أمني جديد.
أما في الحالة الثانية، فقد تستأنف مفاوضات روما يومًا ما، ولكن بعد أن تكون الخريطة التي تفاوض عليها الأطراف قد تغيرت على الأرض.
وفي الجنوب، تبدو علي الطاهر اليوم واحدة من أبرز المؤشرات إلى أي الاتجاهين يسير لبنان.