لبنان بعد الاتفاق الأميركي – الإيراني: من يكتب سيناريو اليوم التالي؟
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- يمكن مقاربة المشهد اللبناني بعد الاتفاق الأميركي – الإيراني من زاوية أساسية مفادها أن لبنان كان حاضراً ضمناً في نتائجه وتداعياته. فمجرد الانتقال من مرحلة المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران إلى مرحلة التفاهم ينعكس تلقائياً على الساحات المرتبطة بالنفوذ الإيراني، وفي مقدمتها لبنان.
لم يكن لافتاً في الساعات التي تلت الإعلان عن الاتفاق الأميركي – الإيراني مضمون الاتفاق بحد ذاته فحسب، بل أيضاً ردود الفعل اللبنانية عليه. فبينما سارع رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى توجيه الشكر للقيادتين الأميركية والإيرانية على التفاهم الذي تم التوصل إليه، بدا موقف عدد من قيادات حزب الله أكثر حدة في حصر الشكر بالجانب الإيراني ، كما بدا الحذر وكأنّ هذه القيادات تدرك أن أي تفاهم بين واشنطن وطهران يفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد لا تشبه المرحلة التي أعقبت الاتفاق النووي عام 2015.
ويكتسب هذا التباين أهمية خاصة لأنه يأتي في وقت تتزامن فيه المفاوضات الأميركية – الإيرانية مع مسار سياسي وأمني جديد في لبنان، عنوانه إعادة بناء الدولة وتعزيز سلطتها، وهو ما عبّر عنه بوضوح كل من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام اللذين شددا مراراً على أن قرار التفاوض بشأن الحدود الجنوبية ومستقبل العلاقات مع إسرائيل هو قرار لبناني سيادي لا يرتبط بأي مفاوضات إقليمية أو حسابات إيرانية.
حتى الآن لا يبدو أن إسرائيل تنظر إلى الاتفاق الأميركي – الإيراني بوصفه نهاية للصراع في الجبهة اللبنانية. فالإعلانات الإسرائيلية المتكررة عن عدم الانسحاب الكامل من بعض النقاط التي تحتلها داخل الأراضي اللبنانية تشير إلى أن تل أبيب تسعى إلى ربط أي انسحاب نهائي بترتيبات أمنية طويلة الأمد تضمن إبعاد خطر حزب الله عن الحدود الشمالية.
ومن هنا تكتسب المفاوضات الجارية برعاية أميركية بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي أهمية استثنائية. فهذه المفاوضات لم تعد محصورة بمعالجة الخروقات اليومية أو تطبيق القرار 1701، بل تحولت تدريجياً إلى منصة للبحث في ترتيبات أمنية وسياسية أوسع قد تفضي إلى تثبيت الحدود البرية بصورة نهائية وإنهاء الملفات العالقة منذ عقود.
وفي حال قررت إدارة الرئيس دونالد ترامب استثمار الاتفاق مع إيران لإنتاج تسويات إقليمية إضافية، فإن لبنان سيكون من أوائل الساحات المرشحة لهذا المسار. فواشنطن تدرك أن أي استقرار دائم في الشرق الأوسط يبقى ناقصاً ما لم يتم احتواء الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية التي شكلت طوال العقود الماضية إحدى أكثر نقاط التوتر قابلية للانفجار.
أما على المستوى الداخلي اللبناني، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد اختباراً دقيقاً للعلاقة بين الثنائي الشيعي والدولة اللبنانية. فالرئيس بري يبدو أقرب إلى تبني مقاربة واقعية تقوم على الاستفادة من المناخ الدولي الجديد لحماية الاستقرار الداخلي وإعادة إعمار الجنوب. أما حزب الله فيواجه معادلة أكثر تعقيداً، إذ عليه التوفيق بين هويته كجزء من المحور الإيراني وبين المتغيرات اللبنانية والإقليمية التي تدفع نحو حصر قرار الحرب والسلم بالدولة.
ولا يعني ذلك أن لبنان خرج بالكامل من دائرة النفوذ الإيراني. فالعلاقات السياسية والعقائدية والتنظيمية التي بناها حزب الله مع طهران خلال أربعة عقود لا يمكن أن تتبدل بين ليلة وضحاها. غير أن المؤشرات الحالية توحي بأن هامش الحركة اللبنانية المستقل يتسع تدريجياً، وأن الدولة تحاول للمرة الأولى منذ سنوات طويلة إعادة الإمساك بالملفات السيادية بعيداً عن الأجندات الإقليمية.
لذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي ما إذا كان لبنان لا يزال في القبضة الإيرانية، بل ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد انتقالاً تدريجياً من لبنان الساحة إلى لبنان الدولة. فالاتفاق الأميركي – الإيراني قد يكون بداية هذا التحول، لكنه لن يكون كافياً وحده لتحقيقه. فالاختبار الفعلي سيبقى في قدرة اللبنانيين على استثمار اللحظة الإقليمية الجديدة لترسيخ سلطة الدولة، وفي استعداد حزب الله للتكيف مع واقع سياسي مختلف عما عرفه منذ عام 2000 وحتى اليوم.
وفي هذا السياق، تبدو المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية أكثر من مجرد مفاوضات حدودية. إنها جزء من إعادة رسم التوازنات في لبنان والمنطقة، وقد تحدد نتائجها شكل العلاقة المستقبلية بين الدولة اللبنانية والثنائي الشيعي، كما قد ترسم حدود الدور الإيراني في لبنان خلال السنوات المقبلة.
يبقى السؤال الأصعب الذي لم يحصل بعد على إجابة واضحة من أي من الأطراف المعنية: ماذا في اليوم التالي؟ فالاتفاقات الإقليمية، مهما بلغت أهميتها، لا تُقاس بنتائجها المباشرة فحسب، بل بما تتركه من استحقاقات داخلية. وفي الحالة اللبنانية، يبرز ملفان مترابطان لا يمكن القفز فوقهما: حصرية السلاح بيد الدولة، واستكمال تحرير الأراضي اللبنانية التي لا تزال إسرائيل تحتل أجزاءً منها أو تتحكم بمساحات متنازع عليها.
فهل يؤدي المناخ الإقليمي الجديد إلى فتح نقاش جدي حول انتقال لبنان من مرحلة "المقاومة المسلحة" إلى مرحلة "الدولة الحصرية الصلاحيات الأمنية والعسكرية"؟ أم أن الظروف الداخلية والإقليمية ستدفع نحو صيغ انتقالية تؤجل الحسم النهائي لهذا الملف؟ وفي المقابل، كيف يمكن للدولة اللبنانية أن تطالب بحصرية السلاح فيما لا تزال عاجزة عن استعادة كامل أراضيها وفرض سيادتها على حدودها المعترف بها دولياً؟
هنا تكمن العقدة الأساسية. فحزب الله يربط منذ عقود بين شرعية سلاحه واستمرار التهديد الإسرائيلي وبقاء أراضٍ لبنانية محتلة، فيما ترى قوى سياسية لبنانية أن استعادة الدولة لقرار الحرب والسلم أصبحت شرطاً ضرورياً لإعادة بناء المؤسسات واستعادة الثقة العربية والدولية بلبنان. وبين الموقفين تقف السلطة اللبنانية أمام تحدٍ بالغ التعقيد: كيف توفق بين مطلب السيادة الكاملة على الأرض ومطلب السيادة الكاملة على السلاح؟
لذلك، قد لا يكون الامتحان الحقيقي للاتفاق الأميركي – الإيراني في بنوده المعلنة، بل في قدرته على توفير ظروف تسمح بمعالجة هذين الملفين معاً. فإذا نجحت واشنطن في دفع إسرائيل نحو استكمال الانسحاب من الأراضي اللبنانية المتبقية، وإذا تمكنت الدولة اللبنانية من ترجمة ذلك إلى تعزيز حضورها الأمني والعسكري في الجنوب، فإن النقاش حول حصرية السلاح سيدخل مرحلة جديدة مختلفة عن كل المراحل السابقة. أما إذا بقي الاحتلال قائماً وبقيت الدولة عاجزة عن ملء الفراغ، فإن الجدل حول السلاح سيستمر، وإن بأشكال وعناوين مختلفة.
من هنا، يبدو أن مستقبل لبنان في مرحلة ما بعد الاتفاق لن يُقاس فقط بمستوى التفاهم بين واشنطن وطهران، بل بقدرة اللبنانيين أنفسهم على الإجابة عن سؤالين مؤجلين منذ عقود: كيف تُستعاد الأرض؟ وكيف تُبنى الدولة القادرة على حمايتها؟ وبين السؤالين يتحدد شكل الجمهورية اللبنانية في السنوات المقبلة.